February
2008
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ، وبعد :
فقد عرض عليَّ أخٌ لي في الله ما كتبه الدكتور موسى الدويش في رده على كاتب المجلة السلفية( ) في كتابته بعنوان ” من التكفير إلى التفجير ” وأن موسى الدويش قد تحامل على الألباني رحمه الله وظلمه بافتراءاتٍ هو منها بريء ، وقد رأيتُ أن من الواجب عليَّ أن أدافع عن الألباني رحمه الله بالحق فأقول : لقد طعن ذلك الشاب المغرور في الشيخ الألباني رحمه الله بمطاعن :
1- منها أنه تكفيري .
2- ومنها أنه له مطمع سياسي .
3- وأنه قلد سيد قطب وشبهه تارة بحسن الترابي ، وأنه جعل نفسه مع زيني دحلان ، والنبهاني وغيرهم من الخرافيين … إلى غير ذلك من الاتهامات .
فأما الدعوى بأن الألباني رحمه الله تكفيري

الفتح الرباني في الدفاع عن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وعلى آله وصحبه ، وبعد :
فقد عرض عليَّ أخٌ لي في الله ما كتبه الدكتور موسى الدويش في رده على كاتب المجلة السلفية( ) في كتابته بعنوان ” من التكفير إلى التفجير ” وأن موسى الدويش قد تحامل على الألباني رحمه الله وظلمه بافتراءاتٍ هو منها بريء ، وقد رأيتُ أن من الواجب عليَّ أن أدافع عن الألباني رحمه الله بالحق فأقول : لقد طعن ذلك الشاب المغرور في الشيخ الألباني رحمه الله بمطاعن :
1- منها أنه تكفيري .
2- ومنها أنه له مطمع سياسي .
3- وأنه قلد سيد قطب وشبهه تارة بحسن الترابي ، وأنه جعل نفسه مع زيني دحلان ، والنبهاني وغيرهم من الخرافيين … إلى غير ذلك من الاتهامات .
فأما الدعوى بأن الألباني رحمه الله تكفيري يذهب مذهب سيد قطب في التكفير ، فأقول هذا القول غير صحيح بل إن الألباني رحمه الله يقول : ” من عمل عملاً يقتضي الكفر فإنه لا يجوز أن نحكم عليه بالكفر حتى نعلم أنه يستحله ” ويأخذ الألباني رحمه الله بأثر ابن عباس رضي الله عنهما في قوله سبحانه وتعالى : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (المائدة:44) ، قال : ” من جحد ما أنزل الله فقد كفر ، ومن أقر به ، ولم يحكم به فهو ظالم فاسق ” ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله من طريق علي بن أبي طلحة ، وعزاه إلى ابن جرير ، وقال : ” ثم اختار ابن جرير أن المراد بالآية أهل الكتاب أو من جحد حكم الله المنـزل في الكتاب ” يعني من هذه الأمة وقد سمعت ذلك من الألباني رحمه الله بنفسي يقول : ” لا يجوز أن نطلق حكم الكفر المخرج من الملة على من عمل عملاً يقتضي الكفر كالحكم بغير ما أنزل الله حتى نعلم أنه يستحله ، فإذا استحله بقلبه كفر ، أما الاستحلال العملي فهو فسقٌ ، وليس بكفر مخرج من الملة “( ).
وللألباني رحمه الله تعليق على شرح الطحاوية فقرة : ” ولا نكفر أحداً بذنب عمله ما لم يستحله ” قال الشيخ الألباني رحمه الله على هذه الفقرة : ” قلت يعني استحلالاً قلبياً اعتقادياً وإلا فكل مذنب مستحل لذنبه عملياً أي مرتكب لـه ، ولذلك لا بد من التفريق بين المستحل عملاً لا اعتقاداً فهو مذنب يستحق العذاب اللائق به إلاّ أن يغفر الله لـه ، ثم ينجيه بإيمانه خلافاً للخوارج ، والمعتزلة الذين يحكمون عليه بالخلود في النار ، وإن اختلفوا في تسميته كافراً أو منافقاً وقد نبتت نابتةٌ جديدة اتبعوا هؤلاء في تكفيرهم جماهير المسلمين رؤوساً ومرؤوسين اجتمعت بطوائف منهم في سوريا ، ومكة ، وغيرها … ” الخ ، ويقول : ” ولهم شبهات الخوارج مثل النصوص التي فيها من فعل كذا فقد كفر .. ” الخ ، ثم ذكر قوله : ” وهنا أمرٌ يجب أن يتفطن لـه وهو أنَّ الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة وقد يكون معصية : كبيرة أو صغيرة… ” إلى آخر ما قال ، وهذا ما كتبه قبل حوالي 30 عاماً ، وهو عليه إلى الآن . انظر رسالة ” التحذير من الوقوع في التكفير ” للعريني صـ24 ، وبذلك يتبين كذب هذا المدعي وبهته هداه الله .
وأما قوله بأن الألباني رحمه الله قلد سيد قطب حين نقل عنه في مقدمته مختصر العلّو للذهبي صـ61 : ” نحن اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام أو أظلم كل ما حولنا جاهلية تصورات الناس ، وعقائدهم ، وعاداتهم ، وتقاليدهم ، وموارد ثقافتهم ، وفنونهم ، وآدابهم وشرائعهم حتى الكثير مما نحسبه ثقافة إسلامية ، ومراجع إسلامية ” وأقول : إن القول بأن الألباني رحمه الله تابع سيد قطب قول باطل ، وبهت وكذب ، وأن الكاتب هداه الله أخذ هذه الجمل مقطوعة ، وحكم بمقتضاها على الألباني أنه تابع سيد قطب حين نقلها ، ولم يردَّ عليها ، ولست أدري ما هي الدوافع إلى تلويث عرض رجل ملأت مؤلفاته التي خدم بها السنة النبوية المكاتب فميز بين صحيحها وسقيمها ، وحبس نفسه على ذلك ما يزيد على خمسين سنة ، وظهر ذلك في مجلدات كثيرة أيمكن أن هذا الرجل الذي خدم السنة خدمة لم يسبق لها مثيل ، والذي نعتقد أنه من أفضل العلماء الذين جاهدوا في نشر الدين دين الحق ، ولا نزكيه على الله ، ولا نعتقد العصمة لـه ، ولا لأحد غيره من أهل العلم مهما علا كعبه ، وعظم قدره بين المؤمنين ، فالنقص البشري ملازم لكل مخلوق مهما بلغ في العلم .
ثانياً : أن الألباني رحمه الله حين نقل هذا النقل كان يريد أن يردَّ به على وضع خاص ، واعتقاد ساد في بعض المجتمعات ، ومن قرأ المقدمة التي كتبها الألباني رحمه الله لكتاب مختصر العلوُّ للذهبي عرف ذلك ، ومما يدل على ذلك قوله في صـ 53 ، 54 في الرد على من أنكر العلو لله تعالى وبين أنهم قسمان : قسم قالوا إنه في كل مكان .
وقسم آخر : قالوا لا فوق ، ولا تحت ، ولا يمين ، ولا يسار ، ولا أمام ، ولا خلف ، ولا داخل العالم ، ولا خارجه . قال : ” ويزيد بعضهم ولا متصلاً بالعالم ، ولا منفصلاً عنه .…” إلى أن قال : ” ومما يؤسف لـه شديد الأسف أن المذهب الأول منهما هو السائد اليوم على ألسنة الناس في هذه البلاد عامتهم( ) ، وخاصتهم ، فما تكاد تجلس في مجلس يذكر الله فيه إلاَّ بادرك بعض الجالسين بقوله : الله موجود في كل مكان ، وقد يقول آخر : الله موجود في كل الوجود ، فإذا سارعت إلى بيان بطلان هذا الكلام لما فيه من نسبة ما لا يجوز إلى الله من كونه مظروفاً لخلقه ، وما فيه من المخالفة لصفة علوه على عرشه سارع بعض المتعالمين إلى تأويل ذلك القول بضم جملة بعلمه إليه كأنما هو آية من كتاب الله أو حديث عن رسول الله لا بد من تأويله ” قلت : إنما وقع الناس فيما وقعوا فيه بسبب التأويلات الباطلة للكتاب والسنة ، والإعراض عن فهم السلف ، ثم قال: ” ولم يدر هؤلاء المساكين أنها كلمة الجهمية ، والمعتزلة ، وعقيدتهم ، فإذا سمعت تأويلهم إياه بقولهم بعلمه ظننت خيراً ، ولكن سرعان ما يخيب ظنك حينما توجه السؤال الموروث عن النبي المعصوم الكاشف عن إيمان المرء أو مبلغ معرفته بالله تعالى أو العكس ألا وهو قوله للجارية : { أين الله ؟ قالت : في السماء قال من أنا ؟ قالت : أنت رسول الله قال : اعتقها فإنها مؤمنة }( ) قال فأنت إذا وجهت مثل هذا السؤال إلى العامة والخاصة ، وجدتهم يحملقون بأعينهم مستنكرين إياه جاهلين أو متجاهلين أن النبي هو الذي سنه لنا ” .
ثم استمر جزاه الله خيراً في كلام طويل … إلى أن قال : ” ألا ترى إلى ذلك الدكتور الذي قال في مقدمة رسالته ” اطن الإثم ” وهو يرسم للمسلمين المتفرقين المتدابرين الدواء بزعمه : وما أظن إلا أننا جميعاً مؤمنون بالله إلهاً واحداً لا شريك لـه بيده الخير والملك ، وهو على كل شيء قدير ” قال الألباني رحمه الله : ” نعم نحن مؤمنون بالله ، ولكن إيمان المؤمنين يختلف أشد الاختلاف ، وما نحن فيه من صفة العلو أوضح مثال ” .
ثم استمر في كلام طويل من ضمنه كلام سيد قطب ، وقصد به الرد على ذلك الدكتور الذي زعم أن الناس لا يحتاجون إلى بيان العقيدة ؛ لأنهم كلهم مؤمنون بالله ، وإنما مشكلتهم في الفساد الخلقي إلى صـ 66 ثم قال رحمه الله : ” وباختصار ، فسواءً كنت معنا أو ضدنا في هذه العقيدة فكلٌّ من الطائفتين يمثل ملايين المسلمين منذ مئات السنين حتى اليوم ، وفي الطائفة التي تؤمن بالسؤال والجواب الوارد في الحديث المشار إليه آنفاً شيخ الإسلام ابن تيمية ، وتلميذه المحقق ابن قيم الجوزية ، وجميع إخواننا الحنابلة اليوم الذين هم من أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، وكل من الطائفتين هم بلا شك يشملهم ظنك الواسع الذي عبرت عنه بقولك في الرسالة السابقة صـ 9 : ” وما أظن إلاّ أننا جميعاً مؤمنون بالله إلهاً واحداً لا شريك لـه بيده الخير ، وهو على كل شيء قدير ” وقال : أي الألباني : ” وأما أنا فأقول : إن كلاًّ من الطرفين إذا تمسك بالآداب الإسلامية سيقول بلسان حاله أو مقاله للطائفة المخالفة : وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (سـبأ: من الآية24) ، والدكتور يعلم فيما أعتقد أن إحدى الطائفتين أياً كانت فهي على ضلالة ، وليس هي بلا شك من حيث الخُلق ، وإنما من جهة الفكرة والعقيدة ، وكلٌّ من الطائفتين يمثل ملايين المسلمين اليوم في هذه المسألة وغيرها من مسائل الاعتقاد ؛ أفليس هؤلاء المختلفون بحاجة إلى الدراسات الفكرية ؟ ” اهـ .هذا ما أردت نقله ، والمقصود بالفكرية أي العقائدية .
وقد تبين من هذه الدراسة أن المجتمعات الجاهلية هي التي أشار إليها بل بينها في صـ54 بقوله : ” ومما يؤسف له أشد الأسف … ” الخ .
ثانياً : أن نقل الألباني رحمه الله لكلام سيد قطب يقصد به الاحتجاج على من يقول من الدكاترة أن الناس ليسوا بحاجة إلى العقيدة ، وإنما هم بحاجة إلى الأخلاق حيث قال في أول صـ64( ) : ” ليس بالمسلمين حاجة بعد اليوم إلى مزيد من هذه الدراسات الفكرية ، فالمسلمون على اختلاف ثقافاتهم أصبحوا يملكون من الوعي في هذه النواحي ما يتيح لهم الحصانة الكافية ، وإنما هم بحاجة بعد اليوم إلى القوة الهائلة التي تدفع إلى التنفيذ ، وهيهات أن يكون بيد الفكر أو العقل وحده والقوة الهائلة التي يحتاجونها إنما هي قوة الأخلاق “( ) .
قلت : وهذه الطريقة طريقة جماعة من الحزبيين معروفين وهم الإخوان المسلمون يركزون على علاج الفساد الخلقي ، ويهملون العقيدة بل ويكونون خصماً لمن بيّنها أو أراد الإنكار عليهم أو على غيرهم فيها .
ثالثاً : أنَّ وصف المجتمع أو المجتمعات بأنها جاهلية لا يخرجهم من الإسلام ، ولا يعد تكفيراً لتلك المجتمعات التي وصفت بهذا الوصف ؛ لأن النبي قال لأبي ذر حين قال : لبلال يا ابن السوداء قال لـه : { إنك امرؤ فيك جاهلية }( ) ولم يكن ذلك تكفيراً لـه ، أما سيد قطب فلعله قصد بها التكفير لأن ذلك معروف عنه( ) .
رابعاً : أن الألباني رحمه الله قد عدَّ ابن تيمية ، وابن القيم ، والحنابلة جميعاً أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب عدّهم جميعاً من الطائفة التي تؤمن بعلوِّ الله عز وجل على خلقه ، وتؤمن بالسؤال الذي سأله النبي تلك الجارية فقال لها : { أين الله ؟ قالت : في السماء ، قال : من أنا ؟ قالت : أنت رسول الله قال اعتقها فإنها مؤمنة }( ) فأخرجهم من المجتمعات الجاهلية ، وبيَّن أنهم من أهل الحق .
خامساً : يجب على كل من ينقل عن شخص نقلاً ليبيِّن ما عنده من فكر وعقيدة أن يستوعب النقل ، وألاّ يبتره ؛ فإن البتر طريقة أهل البدع ، والذين لهم مقاصد سيئة .
سادساً : أذكِّر الدكتور( ) بما ورد في الحديث الذي رواه الطبراني في الكبير والأوسط من طريق ابن عمر ، قال الهيثمي في مجمع الزوائد رجالهما رجال الصحيح إلاّ محمد بن منصور الطوسي ، وهو ثقة بلفظ : { ومن بهت مؤمناً أو مؤمنة حبسه الله في ردغة الخبال يوم القيامة حتى يخرج مما قال وليس بخارج } مجمع الزوائد جـ 10/91 وفي القرطبي جـ 16/338 : { ومن بهت مؤمناً أو مؤمنة بما ليس فيه حبسه الله في طينة الخبال }( ) ولم يعزُه .
ثانياً : وأما القول بأن الألباني لـه اتجاه سياسي ، ما أرى إلاَّ أنَّ هذه فرية ليست بأقل من سابقتها فالذي قضى عمره الطويل في المكتبات الشرعية ، وبين رفوف الكتب الحديثية ، والعقيدة باحثاً ومدوناً ، ومؤلفاً للأجيال ، ومنقياً للسنة مما علق بها أو بالأحرى ما أدخل فيها من أحاديث موضوعة وضعاف ؛ ضحّى براحته ، ونومه ، ولذته ، ووقته ، وبذل نفسه ونفيسه حتى أخرج لأمة محمد كتباً عظيمة النفع ، وأصبح عمره على مشارف التسعين أو يزيد عليها يأتي مغرضٌ فيقول : أن لـه مطمعاً سياسياً من أجل كلمة أو كلمات قالها لها احتمالات من أوجه الخير هذا والله الظلم والبهت ؛ اللهم إني أبرأ إليك من هذا الظلم والبهت ؛ وأنا وإن كنت لا أدعي للشيخ الألباني العصمة من الخطأ في اجتهاده سواءً كان ذلك في فقهه أو في حكمه على الأحاديث ، وهو في ذلك كأي مجتهد غيره إن أصاب فله أجران ، وإن أخطأ فله أجر واحد ، وقد تحصل منه اجتهادات يشذ بها ، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله .
وأما قوله( ) : ” ليأخذ المسلمون طريقة البدء بإقامة الدولة الإسلامية في أرض من أراضي الله الواسعة ” قال من شريط عندي صـ11 من التعقيب ، وأقول إن صحَّ فهو يعني في أرض من أراضي الله الواسعة التي لا يقام فيها دين الله ، ولا يحكم فيها بتشريعه ، ولا يظهر فيها دينه ، وكم من أراضٍ وبلدان لله لا يذكر فيها اسمه ، ولا يظهر فيها دينه ، ولا يحكم فيها بشرعه إلاّ أني أقول : إنَّ الدعوة أول ما تكون إلى التوحيد كما أمر الله كل رسول في قوله جل من قائل : وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (النحل: من الآية36) ، فكل رسول يرسله الله إلى أهل الأرض يؤمر أن يبدأ بالدعوة إلى التوحيد ، وكذلك ينبغي لكل داع أن يدعو إلى التوحيد قبل كل شيء ، وتحكيم شرع الله ، فإذا اجتمع معه جماعة يمكنهم أن يكوِّنوا دولة ، ولم يكونوا في دولة مسلمة اتجه عليهم أن يكوِّنوا دولة إن أمكن . أما إن لم يمكن ، فإنه يجب عليهم أن يستمروا في الدعوة ، ويصبروا حتى يحكم الله بينهم وبين عدوهم ، وإن كانوا في دولة مسلمة تعين على الدعوة إلى الله فليحمدوا الله ، ويستمروا في إصلاحها ، والتعاون مع القائمين عليها .
وإن كانوا في دولة مسلمة إلاّ أنها لا تتعاون مع الدعاة ، ولا تنصر الدعوة فعليهم أن يستمروا في الدعوة ، ويصبروا على ما يحصل لهم حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين .
والمهم أنَّ هذا التصريح قد يفهم منه مفهوم غير صحيح ؛ وهو أن يكون البدء بالدعوة إلى إقامة دولة ، وهذه طريقة الحزبيين الذين لايفهمون دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم ، والذي نعتقده أن الشيخ رحمه الله لا يقصد ذلك أو أنه قد حذف من الشريط ما يدل على هذا المعنى .
وأخيراً أقول : إن هذه الجملة ليس فيها إدانة للشيخ الألباني أنه يبيت للدولة شراً ، ولو كان الألباني له رغبة في السياسة ، واتجاه إليها لكان قد ظهرت منه بوادر في بلاده التي يسكنها .
وأما تبرير هذا الاتهام أي أن لـه مطمع سياسي بأن حركة المهدي المزعوم التي اقتحمت المسجد الحرام في مطلع هذا القرن ، وقتلت الركع السجود بين جنبات الكعبة المشرفة فرعٌ عن دعوة الألباني كما في صـ21 من التعقيب .
وأقول : لاشك أنَّ حركة من سمي بالمهدي ، والتي اقتحمت الحرم المكي في مطلع القرن الخامس عشر ظالمة جائرة أتى أصحابها منكراً عظيماً ، فسفكوا الدماء المعصومة ، وأزهقوا الأرواح البريئة وخرجوا على السلطان المسلم في حرم الله الآمن ؛ فاستحقوا بذلك الوعيدات المترتبة على ذلك كله وقد نصر الله عليهم ، ولقوا جزاءهم في الدنيا ، وأمرهم في الآخرة بين يدي الله أصعب فيما نظن ؛ ولكن تحميل الشيخ الألباني بشيء من تبعة ذلك الإثم بدون دليل واضح يُدان به المتهم أمرٌ صعبٌ أيضاً ، وسيكون إثمه عند الله أصعب .
فإن قيل قد كان بعضهم من طلابه ، فأقول : ليس من تتلمذ على شيخ ، ثم أحدث حدثاً يكون شيخه مسئولاً عن ذلك الحدث ، وقد خرج من حلقة الحسن البصري واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد اللذان أسسا عقيدة الاعتزال ولم يعتب أحد من السلف الأحياء في ذلك الزمن على الحسن البصري ، ويزعم أنه شريكهم . علماً بأن أعراض المسلمين حمىً إلاّ بحق واضح وبالأخص العلماء الذين قدَّموا للإسلام والمسلمين خدمات جُلَّى ، وبالله التوفيق . وأما تصريحات الشيخ مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله ، ونيله من أهل الحلِّ والعقد في المملكة وعلى رأسهم خادم الحرمين الشريفين حفظه الله ورعاه ، فهذا منكرٌ نستنكره ، وننكره عليه أشد الإنكار ، ونرى أنه يخدش في سلفيته ، وإن كان هو يشكر على نشره للسنة بين أوكار الرفض والتشيع إلاَّ أنَّ تصريحاته في ذلك الكتاب الذي سمّاه المخرج من الفتنة ، ولم نره ، ولا نريد أن نراه والذي ثارت فيه ثائرة حقده على الدولة السعودية دولة التوحيد والتي يُحكّم فيها شرع الله ويحكم به في محاكمها ، ويدرس التوحيد في مدارسها ومعاهدها ، وجامعاتها ، وليس فيها مشاهد تزار ، ولا أضرحة تُعبد الأمر الذي اختصت به دون غيرها من الدول التي تنتمي إلى الإسلام ولسنا ندعي لها العصمة ، وكان الشيخ مقبل قد فعل في ذلك ما فعل غيره ممن استغلوا أحقادهم في النيل من هذه الدولة المسلمة الموحدة كالمسعري ، ومحمد سرور ، وأمثالهم ، ولقد كان الأولى به وهو صاحب حديث وهو ممن ينتهجون المنهج السلفي ، ويعتقدون عقيدة أهل السنة والجماعة ألا تذهب به الأحقاد كل مذهب ، وتخرجه من السلفية إلى العصبية المنتنة وتنأى به عن عقيدة أهل السنة والجماعة ، ولعلنا نرى لـه كتاباً يناقض ذلك الكتاب ويعتذر فيه عما صدر منه في الأول غفر الله لنا وله ، وردَّه إلى الحق ردَّاً جميلاً . وقد أراد الله جلَّ شأنه أن يبتلي هذا الرجل ، وهو الشيخ مقبل رحمه الله أراد الله أن يبتلى بمرضٍ فسعى بعض العلماء من أهل الخير عند الدولة في استقدامه إليها وعلاجه فيها ، فقدم إلى المملكة وهو مريض ومعه جميع أسرته ، فاستقبلته الدولة استقبال الكرماء ، فأكرمته إكراماً مقطوع النظير أسكنوه في سكنٍ يليق بأمثاله ، وأغدقوا عليه الأرزاق ، وأحالوه إلى المستشفيات العليا المتخصصة على حساب الدولة ، ولمَّا قرر الأطباء فيما يظن أنَّه بحاجةٍ إلى العلاج خارج المملكة ؛ أرسلوه إلى أمريكا ، ثمَّ إلى ألمانيا على حسابهم ، وعولج هناك ، ولكنَّه قد اختار الرجوع والإقامة بالمملكة فرجع ، وبقي منوماً في مستشفى الملك فيصل التخصصي بجدة ، على حساب الدولة وبقي فيه إلى أن توفي( ) ، وقد قابلته أنا وبعض المشائخ في أيام الحج عدة مرات واتصلت به بعد ذلك عدة مرات للاطمئنان على صحته وقد سجل شريطاً في آخر حياته اعترف فيه بفضل الدولة حفظها الله تعالى ، وأثنى عليها خيراً وقرر بأنَّه لايسمح بإعادة طبع ما قاله في بعض رجال الدولة ، وأنَّه متأسفٌ على ذلك( ) ، وقد وافته المنية بمستشفى الملك فيصل التخصصي بجدة ، وصلي عليه في الحرم المكي ، ودفن في مقبرة العدل فنسأل الله أن يتغمدنا وإياه برحمته ، وأن يعفو عنَّا وعنه فيما حصل منَّا من الأخطاء التي لايسلم منها أحد ، وبالله التوفيق . وأما ثناء كاتب المجلة السلفية على الألباني رحمه الله ، فلا أرى أنه بذلك قد انتقص من قدر غيره ؛ لأن الأدلة الشرعية تدل على أن النبي قد أثنى على كثير من أصحابه ، ولم يكن في ذلك هضم لحق غير من أثنى عليه ، فقد قال صلوات الله وسلامه عليه في حق أبي بكر : { لو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً }( ) وقال في عمر : { والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجاً إلاَّ سلك الشيطان فجاً غير فجك }( ) وقال عن عثمان : { ألا أستحيي من رجلٍ تستحيي منه الملائكة }( ) وقال عن علي : { أنت مني بمنـزلة هارون من موسى إلاَّ أنه لانبي بعدي }( ) وقال عن الزبير : { لكل نبي حواري وحواريَّ الزبير }( ) وقال عن سعد بن أبي وقاص : { هذا خالي فليرني امرؤ خاله }( ) وقال عن أبي عبيدة بن الجراح : { لكل أمةٍ أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح }( ) وقال : { وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل }( ) إلى غير ذلك ، ولم يكن ثناؤه على بعضهم تنقص لغيره بل قال في عمومهم : { لاتسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحدٍ ذهباً ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصفيه }( ) .
ثانياً : أنَّ الألباني رحمه الله عالم سوريا ، ووحيدها ، وصاحب الجهاد فيها ، فالثناء عليه بجهاده للتكفيريين ، والمبتدعين في بلده لا يكون انتقاصاً لعلماء السعودية ، فهم لهم جهادهم في بلدهم يحرز لهم ما يستحقون من الفضل والثناء ، والله تعالى يقول : وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا (الأنعام : 132) .
ثالثاً : أن تشبيه الكاتب للألباني بحسن الترابي كما في صـ5 الذي يرى وحدة الأديان ، ويرى أن النبي غير معصوم فيما يخبر به من أخبار الدنيا ويرى أن لرؤساء الدول أو للدول حق التشريع ويرى أن أحكام الشرع يطرأ عليها التقادم ، وأنه ينبغي تجديدها ، إلى غير ذلك من آرائه الشاذة التي توجب الكفر فما دونه .
والمهم أن تشبيه الألباني رحمه الله بالترابي بهت عظيم ، وجريمة شنعاء لا يجوز إقراره عليها ، ولا السكوت عليه فيها .
وأما قوله( ) في صـ11 : ” لا يجوز أن يتولى إقامة الحدود غير الحاكم المسلم ، وحينما يظهر الأسى والأسف أن ليس هناك من يقيم الحدود الشرعية ، فهذا لا ينبغي أن يفتح باباً غير شرعي ولكن ينبغي أن يذكرنا بتبصير المسلمين جميعاً في عدم وجود دولة مسلمة تقيم الحدود الشرعية بل تنفذ أحكام الشريعة الإسلامية بحذافيرها ، حينما نتذكر هذا يجب أن لا يدفعنا إلى أن نعمل لإقامة هذه الدولة المسلمة ، وذلك كما تعلمون منّا مراراً وتكراراً لا يكون ذلك بالهتاف والحماس والصياح ، ولكن بالجهاد ” .
وأقول أولاً : قوله : ” لا يجوز أن يتولى إقامة الحدود غير الحاكم المسلم ” قلت هذا باتفاق في الأحرار ، والخلاف في الأرقاء من العبيد والإماء لقوله : { إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولايثرب عليها ، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب ، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها فليبعها ولو بحبل من شعر }( ) .
ثانياً : في قوله : ” وحينما يظهر الأسى والأسف أن ليس هناك من يقيم الحدود الشرعية … ” إلى أن قال : ” في عدم وجود دولة مسلمة تقيم الحدود الشرعية ” فأقول : كان الواجب على الشيخ أن يستثني ، فإن الدولة السعودية هي الدولة الوحيدة التي تقيم الحدود ولكي يقطع الطريق على الذين يصطادون في الماء العكر كما يقال .
ثالثاً : وينبغي أن نحمله على أنه يريد في بلده ؛ لأن المسلم ينبغي أن يحمل على أحسن المحامل ما وجدت .
رابعاً : في قوله : ” فهذا لا يجوز أن يفتح باباً غير شرعي ” وأقول معناه لا يحملنا ذلك على القيام بأعمال غير شرعية كالثورات ، والإضرابات ، والتظاهرات ، والاغتيالات ، والتفجيرات إتلافاً للأموال أو الأنفس أو الجسور ، إضراراً بالأفراد ، والجماعات ، فهذا لا يصدر من مسلم يخاف الله عز وجل ، وإنما تصدر هذه الأفعال من أهل الهوى المبني على الجهل ، والبدع ، والضلال من الحزبيين الثوريين التكفيريين .
خامساً : قوله : ” ولكن ينبغي أن يذكرنا بتبصير المسلمين جميعاً … ” إلى أن قال : ” هذا يجب أن يدفعنا لإقامة الدولة المسلمة ، وذلك كما تعلمون منا مراراً لايكون ذلك بالهتاف والحماس ، والصياح ، ولكن بالجهاد ” .
أ- وأقول : قطعاً أنه يقصد بتبصير المسلمين تعليمهم بما يجب لله عليهم ، وذلك مساهمة في إصلاح الأفراد الذين يكونون لبنات المجتمع الذي تقوم على رأسه الدولة ، وهذا التفكير تفكيرٌ إسلامي صحيح .
ب- ويجب أن نحمل كلام الشيخ رحمه الله على أنه يقصد التفكير في إنشاء دولة تقيم شرع الله على أرض من أراضي الله الواسعة التي لا يقام عليها شرع الله .
ج- ونقطع بأنه لا يقصد إنشاء دولة في قلب دولة كما يفعل الحزبيون ، ولا على أنقاض دولة مسلمة تقيم شرع الله ، فهذا إفساد وليس بإصلاح .
د- ويجب أن نعلم أن سلوك الرجل منضبط بعقيدته ، وما قرره في كتبه الكثيرة الوفيرة ، فلا يجوز أن نهدم ذلك كله بكلمة أو جملة قالها في حالةٍ ما الله أعلم بدوافعها ، ومؤثراتها .
هـ- وهذا التأويل هو المتعين في حق الشيخ رحمه الله ، وقد دلَّ عليه من كلامه هذا قوله : ” فهذا لاينبغي أن يفتح باباً غير شرعي ، والشيخ معروف باتباعه للسنن ، وسيره عليها ، وإن كان قد ينفرد باجتهاد يشذ به لكنَّ هذا في غير العقيدة .
و- ودولتنا حفظها الله ، ونصرها ، ووفق القائمين عليها لكل خير قد اتسع صدرها لأناس ليسوا بأولئك في مواطنتهم ، فكيف بعالم من علماء المسلمين صاحب عقيدة سلفية ، ومتابعة للسنة قدَّم خدمات عظيمة للإسلام ، فإن المظنون بدولتنا وهي من هي في التأني ، والتثبت ، وعدم الاستعجال في مثل هذه الأمور أن لا تطيع فيه المغرضين ، ومن لهم هوىً الله أعلم بدوافعه .
حـ- وقد تبين من هذا أن الشيخ رحمه الله لا يريد بكلمة الجهاد الواردة هنا الجهاد المسلح ولكن يريد التبصير ، والتعليم بالكلمة ، ودعوة الناس إلى الكتاب والسنة ، وفهمهما على منهج السلف الصالح ، وقد أمضى عمره الطويل المبارك على ذلك في تأليفاته ، وتوجيهاته ، ومناظراته ومن سرَّح نظره في مؤلفاته ، وسيرته اتضح له ذلك وضوحاً لايعتريه شك ولا ريب أنَّ ما لفقه ضده المريبون ما هو إلاَّ بهت ، وافتراء الله أعلم بدوافعه .
ط- وأما قوله : ” بأن الأصل ، والأفضل أن يكون المسلمون تحت إمام واحد ، وراية واحدة فإن لم يتحقق ذلك فإن للضرورة قدرها في تجويز تعدد الحكام ، والسلاطين ، وعقد بيعات جزئية لهم ينتظم بها سلك رعاياهم ضمن قواعد الشرع وأصوله ” فهذا القول لم يخرج به عن السلفية لأن الخلاف في ذلك جارٍ بين العلماء ، والخلاف في ذلك نظري ، أما الواقع فلم يقل أحد ببطلان أحكام سلطان انفرد بالسلطة في بلدٍ ما إلاّ على رأي شاذ لم يبرز في وقت إلى حيز المعارضة وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى جـ 34صـ 175بالحدود : ” والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد ، والباقون نوابه ، فإذا فرض أنَّ الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها وعجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود ويستوفي الحقوق ” يعني فيما تحت يده .
فتبين أنَّ قول الألباني كقول شيخ الإسلام ابن تيمية ، والحق في نظري جواز ذلك ؛ لأن الضرورة في هذه الأزمان أصبحت ملازمة ، وذلك لأمور : الأول : لقوله في الحديث الذي رواه مسلم في كتاب الإمارة باب (10) وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول رواه مسلم بسنده إلى أبي حازم قال : { قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي قال : كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي ، وستكون خلفاء فتكثر . قالوا فما تأمرنا ؟ قال : فوا ببيعة الأول فالأول وأعطوهم حقهم ، فإنَّ الله سائلهم عما استرعاهم } فهذا الحديث مشعر بجواز التعدد إذا كان كل منهما مستقلٌّ ببلد .
أما إذا كانوا في بلد واحد فلا ، وعليه قوله : { إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخِر منهما }( ) رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه .
وقوله : { من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه }( ) رواه مسلم عن عرفجة ، وقد أشار إلى ذلك في هذا الحديث بقوله : { فوا ببيعة الأول فالأول } .
الأمر الثاني : أنَّ علي بن أبي طالب ومعاوية رضي الله عنهما قد تولاَّ كلٌ منهما بلداً فأقاما فيها حدود الله ، ونفذا أحكامه ، والصحابة متوافرون ، فلم يقل أحدٌ منهم لواحدٍ من الخليفتين أحكامك فيما تحت يدك باطلة . وكذلك استقلال الداخل بالأندلس في آخر عهد التابعين .
الأمر الثالث : أن اتساع رقعة الإسلام ، وتباعد أقطاره جعلت التعدد ضرورة ؛ لأنه لا يتمكن رجل واحدٌ من السيطرة على جميع هذه الأقطار بحيث يكون الأمير فيها شبه مستقل لبعد المسافة بينهما ، فدل ذلك على جواز التعدد .
والذي اعتقده أنَّ سلفية الألباني هي سلفية علماء المملكة مثل سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ، وابن عثيمين ، وابن فوزان ، والشيخ عبد العزيز آل الشيخ ، وغيرهم فهو يعتقد ما يعتقدون في أسماء الله عز وجل وصفاته ، وفي باب القدر ، وأن القرآن كلام الله منـزل غير مخلوق إلى غير ذلك ، وإن كان هناك اختلاف طفيف فهو في الأمور الاجتهادية . أما العقيدة فليس بينه وبينهم خلاف .
وأما هل للألباني أتباع في المملكة ؟ فأقول : لا أعرف أن لـه أتباعاً في المملكة لأنه ليس لـه عقيدة مستقلة ، ولا سلفية مستقلة حتى يكون له أتباع معروفون .
وأما كونه يرى للمملكة بيعة لازمة ، فأقول : نعم ، وهو يسمي المملكة دولة التوحيد ، وأنا أعرف ذلك من خلال قراءتي لكتبه منذ زمن طويل ، وهو كغيره من أهل السنة والجماعة أصحاب المنهج السلفي لا يرون الخروج على البيعة المنعقدة لإمام مسلم ، وفي تعليقه على شرح الطحاوية لأبي العز الحنفي على وجوب لزوم الجماعة ، وطاعة الإمام ، وعدم جواز الخروج عليه ما يشير إلى ذلك .
وأما القول بأن بعض القائلين بجواز الخروج قد طعنوا في روايات حديث حذيفة بن اليمان الذي في صحيح مسلم ، وهي رواية أبي سلاّم عن حذيفة بلفظ : { تسمع وتطيع للأمير ، وإن ضرب ظهرك ، وأخذ مالك فاسمع وأطع }( ) وهم الجهيمانية .
قلت( ) : الطعن في رواية أبي سلاّم ممطور الحبشي عن حذيفة ذلك لأنَّ المزني لما ذكر من روى عنهم أبو سلاّم ذكر منهم حذيفة وقال : ” م ” ويقال : مرسل تهذيب الكمال جـ 28/484 وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء جـ4/355 : ” حدَّث عن حذيفة ، وثوبان وعلي ، وأبي ذر ، وعمرو بن عبسة ، وكثير من ذلك مراسيل كعادة الشاميين يرسلون عن الكبار ، وفي التعليقات على تهذيب الكمال لم يسمع يعني أبا سلاّم من حذيفة ولا من نظرائه الذين نزلوا العراق ، ولأن حذيفة مات بعد مقتل عثمان بليال ” .
قلت : إن ضعفت هذه الرواية ، فإن النهي من النبي عن الخروج على الولاة ، وعدم المنازعة لهم في سلطانهم ، وأنَّ من خرج على سلطان مسلم فمات مات ميتة جاهلية ، ولقي الله لا حجة لـه ، وأنه يجب قتال الخارج ، وقتله ما دام السلطان مسلماً يقيم الصلاة ، ولم يكن يأتي من المعصية كفراً بواحاً مع الخارج فيه من الله برهان صح ذلك عن عبادة بن الصامت ، وابن عباس وابن عُمر ، وأبي هريرة ، وأبي سعيد ، وعرفجة الكلابي ، وأم سلمة ، وعوف بن مالك ، وعبد الله بن عمرو ، وكلها عند مسلم في الإمارة بأسانيد صحيحة إذاً ما أفادته تلك الزيادة المضعفة قد أفادته تلك الأحاديث عن تسعة من الصحابة ، فإن ضعفت فإنه لا يقال بأنَّ تضعيفها يبيح الخروج على السلطان المسلم إلاّ جاهل .
وقد ذكر الألباني رحمه الله تلك الأحاديث في كتبه ، وصححها ، ولا إخاله إلا يقول بها بل نقطع قطعاً بذلك فهو من عرفناه آخذاً بالسنة قائلاً بها وإن كان ليس بمعصوم شأنه شأن غيره من العلماء .
وأما هل دعوته التي يقول عنها : أنها انتشرت في العالم كله مخالفة لدعوة هذه البلاد أو متفقةً معها .
وأقول : بل متفقة معها فهو يصرح في غير مناسبة أنه يدعو إلى فهم الكتاب والسنة على فهم السلف ، والمحققون من علماء المملكة يدعون إلى فهم الكتاب والسنة على فهم السلف ، وهم يدعون إلى تقديم الدليل الصحيح على قول إمام المذهب ؛ لأن الله عز وجل كلفنا باتباع رسول الله ولم يكلفنا باتباع أحدٍ سواه فقال جل من قائل : قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (آل عمران :31) إلى غير ذلك من الآيات .
وكذلك المحققون من علماء المذهب يأخذون بهذا ، ويدعون إليه ، وهو يحارب الجمود المذهبي على أي مذهب كان ، وكذلك المحققون من علماء هذا البلد يحاربون الجمود المذهبي على أي مذهب كان وترك الدليل ؛ بل إنّ كل أئمة المذاهب يدعون إلى الأخذ بالدليل ، وترك أقوالهم إن وجدت مخالفة لـه ، فمالك يقول : ” ليس أحدٌ بعد النبي إلاَّ يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ النبي “( ) والشافعي يقول : ” إذا صحَّ الحديث فاضربوا بمذهبي عرض الحائط “( ) وأحمد بن حنبل يقول : ” لا تقلدني ، ولاتقلد مالكاً ، ولا الشافعي ، ولا الأوزاعي ، ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا “( ) ويقول أبو حنيفة : “ويحك يا يعقوب (هو أبو يوسف) لاتكتب كل ما تسمع منِّي فإنِّي قد أرى الرأي اليوم وأتركه غداً ، وأرى الرأي غداً وأتركه بعد غدٍ”( ) .
والمهم أن ما فهم من كلامه( ) ، وكلام تلاميذه من محاربة المذهبية ، فإنما المراد منه محاربة المذهبية المتطرفة التي تقدم قول المذهب ، وإن خالف الدليل ، وهذا المسلك حاربه جميع أئمة الحديث ومنهم البخاري ، وأحمد بن حنبل ، وغيرهم ، وقد عقد شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله باباً في كتاب التوحيد لذِمّ ذلك ، فقال : باب من أطاع العلماء في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحلَّ الله فقد اتخذهم أرباباً ، ثم استدل بالآية : اتخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ (التوبة : 31) إلاّ أنه قد تحصل منهم مبالغة لايوافقون عليها كقول عيد عباسي في كتابه : ” بدعة التعصب المذهبي ” وهم يعدون العالم فيهم من فهمها ، وحفظها يعني : كتب الفقه في المذهب ويجيزون لـه تولي القضاء ، والإفتاء ؛ بل إنهم ليستبيحون بما في هذه الكتب الدماء والفروج ، والأموال .
أ- وأقول : إن كتب الفقه حوت علماً ، والفقيه حقاً من عرف كل قول بدليله من الكتاب والسنة ، ولهذا قالوا في تعريف الفقه في الأصول ” معرفة الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية ” .
أما من يعرف الحكم في مذهب ما ، ولا يعرف دليله ، فمعرفته ناقصة .
ب- ولا شك أن كتب الفقه قد اعتمدت في بعض الأحكام على أحاديث ضعيفة .
ج- أما ما تستباح به الدماء ، والفروج ، والأموال ، فلا تعتمد فيها كتب المذهب إلا على أدلة صحيحة من كتاب الله ، وسنة رسوله ذلك لأن إمام المذهب محدَّثٌ كبير .
د- إلاّ أنه قد يحصل الخلاف فيما دلَّ عليه الدليل لوجود احتمال فيه ، فيختلف فيه الفقهاء .
هـ- والخطأ في الاجتهاد قد يحصل في هذا المذهب أو ذاك .
و- علماً بأنَّ هذا الكاتب لايستطيع أن يأتي بحكم واحد حكم فيه المذهب بقتل نفس أو إقامة حدٍّ أو أخذ مال اعتمد فيه على حديث ضعيف ضعفاً يجب به اطراحه ، ولقد كان الأولى به ترك هذه المبالغة التي تجعله موضع انتقاد .
ز- وأخيراً حصول مثل هذا لا يدل أن لهم نية سوء نحو المملكة أو أنهم يريدون الإطاحة بها ويضمرون سوءاً لها ، وإنما هذا وأمثاله يعتبر نقداً علمياً لايشكل خطراً سياسياً .
وأما قوله( ) في ص19 : ” بل إن الدكتور ربيع ابن هادي المدخلي ذهب إلى ما هو أبعد حيث فضل الكثير من اتباع المذهب الزيدي وعوامهم ، والمذهب الإباضي عامتهم على أتباع المذاهب الأربعة ، فقال في كتاب أهل الحديث هم الطائفة المنصورة ط .2:” وهناك أتباع المذهب الزيدي وعوامهم وأتباع المذهب الإباضي وعوامهم ، فإنَّ كثيراً منهم أقرب إلى الفطرة والتوحيد من كثيرٍ من أتباع المذاهب الأربعة ، وأبعد عن الشرك ، والخرافات والقبورية والصوفية من عامة أصحاب المذاهب الأربعة ” اهـ .
وأقول : إن تفضيل الشيخ ربيع لأتباع المذهب الزيدي ، والمذهب الإباضي وعوامهم ؛ لكونهم أقرب إلى التوحيد من كثير من أتباع المذاهب الأربعة وعوامهم ، وأبعد عن الشرك ، والخرافة والقبورية ، والصوفية رغم ما عندهم من عقائد منحرفة ، فهذا تفضيل من ناحية واحدة إلا أن هذه الناحية هي الأساس والأصل ، لهذا يعني توحيد العبادة .
وثانياً : من المعلوم عند جميع أهل العلم أن التفضيل الجزئي لا يلزم منه تفضيل كلي ، فلو قيل مثلاً زيدٌ أعلم من عمرو في اللغة لم يلزم من ذلك تفضيل زيد على عمرو في جميع العلوم .
وثالثاً : أنَّ المجتمع السعودي ودولته لم يكن معنياً بهذا الكلام ؛ لأنه ليس فيه شرك ، ولا وثنية ظاهرة كسائر المجتمعات الإسلامية من اتباع المذاهب الأربعة ، فإن الشرك فيها ظاهر ، والوثنية فيها ظاهرة بما فيها من المشاهد ، والأضرحة ، والقبور المأمومة للناس بالدعاء ، والذبح ، والنذور وسؤال الحاجات التي لا تطلب إلاّ من الله ، فتبين من هذا بطلان ما يدعيه هذا الرجل على السلفيين ، واتهامهم بما ليس فيهم .
أما اتهام الألباني بأنه حزبي أو يتفق مع الحزبيين ، ويقر الحزبية ، فهو أيضاً افتراء عليه ، وهو يقول( ) في شريط جلسة في 22 رجب 1418هـ يقول : ” حسن البنا ليس سلفي العقيدة ، ولا سلفي المنهج ” وقد نقده في هذا الشريط في عدة نواحي بعد أن قال : ” إن حسن البنا يشكر في كونه أخرج الشباب الضائع من المقاهي ، والملاهي ، والسينما أو أنه أخرجهم من بعض الظلمات إلى بعض النور ” قلت( ) : وإذا كان قد أقرهم على الشرك الأكبر فما هو النور الذي أوجده لهم؟!! ولعل الشيخ لم يكن على علم بما وقع منه من الشرك الأكبر ، ووحدة الوجود .
والمهم أنه يحارب الحزبية حرباً شعواء ، ويقول : ” إن أخذ البيعات في هذه المناهج يشد من أزر الفرقة ، فمن بايع على منهج لا بد أن يكون معادياً لغيره ، وأنا سأرسل لكم الشريط برمته لأني لو فرغت جميع ما فيه سيطول الكلام مع أني أحاول الاختصار والبيان بقدر الإمكان ” اهـ .
وأما القول بأن الألباني قد طعن في الوهابية فقال : ” وأما الوهابية فما لي ولها أنا أنقدها ربما أكثر من غيري ، وإخواننا الحاضرون يعلمون ذلك التعقيب صـ 5 من شريط بعنوان رحلة العقبة ” ثم قال هذه كلمة خطيرة لو وضعناها في الإطار الشرعي فإنها تعني البراءة من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب خاصة ، وأنه قد وضع نفسه مع أعداء هذه الدعوة كزيني دحلان والنبهاني ، وبقية الخرافيين . وأقول اللهم إني أبرأ إليك من هذا الزعم الباطل ، وأشهدك على لوم من قاله أو اعتقده لأمور :
الأمر الأول : إن الواجب علينا ، وعلى كل باحث ، ومقيِّم لشخص من العلماء أن نحكم على العالم بما شاع عنه ، وذاع ، واشتهر من أمره في مؤلفاته ، ومحاضراته ، ومناظراته ، فإن جاءت كلمة أو جملة تخالف ما اشتهر عنه رددناها إلى ما اشتهر عنه ؛ لأن تلك الكلمة لا تخلو من أحد أمرين ، إما أن يكون ناقلها كاذب في نقله ، وإما أن يكون للقائل فيها معنى لا ندريه .
الأمر الثاني : أنَّ الألباني قد اشتهر عنه تعظيمه للشيخ محمد بن عبد الوهاب ، وسيره على نهجه رحمه الله من الدعوة إلى التوحيد ، ومحاربة الشرك ، ودعوته إلى السنة ، ومحاربة البدع ، ودعوته إلى فهم الكتاب والسنة على فهم السلف ونبذ ما يخالف ذلك ، وعلى ذلك قد سار في مؤلفاته وتخريجاته ، ومناظراته ، وردوده .
الأمر الثالث : أن من أراد أن يقضي على تلك المؤلفات ، والتخريجات ، والردود ، والمناظرات بكلمة لها احتمال على وجهٍ سليم ، فإن ذلك يدل على أنه مبطل ، وله هوى .
الأمر الرابع : إن كلمة الوهابية عند أهل البدع لها مفهوم سيئ ، وذلك أنهم يقولون إن الوهابيين يحرِّمون زيارة قبر النبي ولا يصلون عليه ، بل ويقتلون من صلى عليه أو يضربونه .. الخ ما زعموا ، فلعله إن كان قال تلك الجملة ، فهو يقصد بها الوهابية على هذا المفهوم الباطل على حد ما جاء في الأثر عن عمران بن حصين : ” وإنَّ لكم في المعاريض مندوحة عن الكذب “( ) وعلى هذا فإني أقطع جازماً بأن الألباني رحمه الله لا يقصد بهذه الكلمة الطعن في منهج الشيخ محمد بن عبد الوهاب وإنما قصد الطعن والتبري من ذلك المفهوم السيئ عند المبتدعين للوهابية .
وأختم كتابتي هذه بنقل كلام كبار مشايخنا المعتبرين في الألباني وثنائهم عليه ، فمن ذلك قول سماحة شيخنا الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله : من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم الشيخ محمد إبراهيم الشيباني وفقه الله للخير آمين
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ؛ وبعد :
يا محب كتابكم الكريم وصل وصلكم الله بهداه ، وفهمت ما تضمنه من عزمكم على كتابة ترجمة موسعة لصاحب الفضيلة الشيخ العلامة محمد بن ناصر الدين الألباني ، ورغبتكم في كتابة رأينا في فضيلته ، ونفيدكم أن الشيخ المذكور معروف لدينا بحسن العقيدة ، والسيرة ، ومواصلة الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى مع ما يبذله من الجهود المشكورة في العناية بالحديث الشريف وبيان الحديث الصحيح من الضعيف من الموضوع ، وما كتبه في ذلك من الكتابات الواسعة كله عمل مشكور ونافع للمسلمين ، نسأل الله أن يضاعف مثوبته ، ويعينه على مواصلة السير في هذا السبيل ، وأن يكلل جهوده بالنجاح والتوفيق .. ” الخ ما قال . فهذه شهادة وتزكية من مفتي عام المملكة رحمه الله للشيخ الألباني رحمه الله بأنه حسن العقيدة وحسن السيرة( ) .
وقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله : ” فالذي عرفته عن محدث الشام فضيلة الشيخ محمد بن ناصر الدين الألباني من خلال اجتماعي به وهو قليل أنه حريص جداً على العمل بالسنة ومحاربة البدعة ، وسواء كانت في العقيدة أم في العمل ، أما من خلال قراءتي لمؤلفاته فقد عرفت عنه ذلك وأنه على علم جمٍّ في الحديث رواية ودراية ، وأن الله تعالى قد نفع بما كتبه كثيراً من الناس من حيث العلم ، ومن حيث المنهاج ، والاتجاه إلى علم الحديث ، وهذه ثمرة كبيرة للمسلمين ، ولله الحمد ” انتهى بتصرف .
وهذا ما تيسر تدوينه في هذه العجالة ، وأسأل الله أن يتقبله مني، ويكتبه في ديوان حسناتي وأن يجعله خالصاً لوجهه ؛ مبرأ من شوائب الإحباط ؛ إنه جواد كريم ؛ غفور رحيم ؛ وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد سيد الأولين والآخرين ، وعلى آله وصحبه أجمعين .
كتبه
أحمد بن يحيى النجمي
في 30 / 9 / 1418هـ
في بيان خطر المعصية وشؤمها
وبيان عواقبها الوخيمة
ولما كان الحديث في الأبواب السابقة، وما اندرج تحتها من فصول يدور على الحث على الالتزام بأسباب فلاح العبد في آخرته ودنياه، والترغيب في ذلك، كما كان يدور على وجوب الأخذ بقوة بأسباب السعادة والنجاة من الأهوال والشدائد والكروب التي ستكون يوم القيامة حيث قد جمعت فيها شيئًا كثيرًا من تلك الأسباب التي يعتبر الالتزام بِها وتطبيقها تطبيقًا عمليًّا في حياة الإنسان طريقًا موصلاً إلى رضا الله والسعادة في رحابه في دار البرزخ والقرار كما يعتبر أمانًا وضمانًا وحصنًا حصينًا بإذن الله من الشقاء الدنيوي والأخروي، فإنني أحب أن يكون هذا الباب في بيان خطر المعصية وشؤمها وبيان عواقبها الوخيمة في الدنيا والبرزخ والآخرة بشيء من التفصيل وضرب الأمثلة التي تبين الشؤم وتبرهن على سوء العواقب فأقول مستمدًّا العون والتوفيق من الله:
الفصل الأول
في بيان أخطار المعاصي الدنيوية والأخروية
إن اقتراف المعاصي وانسياق النفس والجوارح وراءها والتلذذ بِها هو السبب الأكبر في شقاء ذويها وهلاكهم وحرمانِهم من سعادة الدارين.
نعم إن اكتساب المعاصي والسقوط في حمأتِها الآسنة سبب في أخذ الله لأصحابِها بأصناف البلايا والمحن والعقوبات المتنوعة، وسبب أيضًا في نقص الأديان ودمار البلاد والعباد والأعمال والأعمار والأرزاق، وسبب في انتشار الشر المستطير والفساد الكبير في أرض الله العلي الكبير .
وفي القرآن الكريم والسنة المطهرة ما يدل على ذلك بجلاء ووضوح وإليك بعضه:
1- قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى:30].
2- وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: من الآية79].
3-وقال T: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:165] .
4-وقال -تبارك وتعالى-: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:58].
5- وقال -عز من قائل-: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الطلاق:8].
6- وقال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: من الآية41].
وأما في السنة :
1- فقد روى الترمذي في جامعه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ج: $إذا اتخذ الفيء دولاً، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء وزلزلة وخسفًا ومسخًا وقذفًا وآيات تتتابع كنظام بال قطع سلكه#( ) قال الترمذي حديث غريب .
2- وروى الإمام أحمد( ) وابن ماجه( ) عن ثوبان( ) عن النبي ج أنه قال: $إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه#.
3- وعن عبد الله بن عمر قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله ج فأقبل علينا بوجهه فقال: $يا معشر المهاجرين، خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بِها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لَم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لَم يَمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لَم تعمل أئمتهم بِما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم#( ).
4- وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ج: $ما طفف قوم كيلاً ولا بخسوا ميزانًا إلا منعهم الله T القطر، وما ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت، وما ظهر في قوم الربا إلا سلط الله عليهم الجنون، وما ظهر في قوم القتل، يقتل بعضهم بعضًا إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لَم ترفع أعمالهم ولَم يسمع دعاؤهم#( ).
وغير ذلك من النصوص في هذا المعنى كثير، وكلها تدل على أن المعصية هي السبب الوحيد في تغيير حال الفرد والجماعة والأمة من نعمة إلى نقمة ومن سعادة إلى شقاوة، ومن رخاء إلى شدة، ومن يسر إلى عسر، مما يدل على شؤمها وسوء مغبتها وتحقق عقوبتها العاجلة والآجلة .
وصدق الله T: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: من الآية11].
ويقول أيضًا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:53].
ومن أراد أن يعرف خطر المعصية جيدًا ليزحزح نفسه عن دروبِها ويبتعد عن عناصرها ووسائلها، فليقرأ القصص القرآني الكريم بتأمل واعتبار فإنه حينئذ سيستبين له الأمر على أكمل وجه، وتظهر له الحقيقة واضحة جلية أن المعصية سبب في رفع النعم وتدمير الأجيال والأمم، ومسخها وترديها في الحضيض والدركات في دورها الثلاث، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم .
واسمح لي أيها القارئ الكريم -وأرجو الله أن يجعلنا جميعًا كرماء لنسمع القول فنطيع، ونقرأ المفيد فنعمل به وننشره- اسمح لي أن أسأل وأجيب:
ما الذي سبب لإبليس الطرد والإبعاد والنفي من محل الملأ الأعلى، وقد كان أشد اجتهادًا في العبادة مع الملائكة ؟
والجواب: إنَّها المعصية، ذلك أن الله الحكيم خلق آدم بيده من تراب ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعله بشرًا سويًّا، وعلمه الأسماء كلها، وأمر الملائكة -وإبليس فيهم- بالسجود له، فسجدوا إلا إبليس الحسود أبى أن يكون مع الساجدين معتزًّا بأصله، ومفتخرًا بعنصره، ومحتقرًا لمن أمر بالسجود له، فصار بتلك المعصية الواحدة ملعونًا أثيما، وشيطانًا رجيمًا، ومحرومًا من رحمة الله جزاء ما فعل، وكان الله عليمًا حكيمًا والآيات التالية تقص علينا نبأ القصة بالتفصيل:
قال T: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف:11-13].
وحقًّا لقد أهبط إبليس من قمة العز وشرف الطاعة إلى حضيض الذل والحقارة والهوان بسبب عصيانه لأمر الله الذي يجب أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر، فلما يئس اللعين من رحمة الغفور الرحيم التي لَم تكتب لإبليس ولا لحزبه، وإنما كتبت لأهل الإيمان والطاعة والتقوى، طلب المهلة من ربه إلى يوم الدين: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف:14].
فأنظره الله لما له في ذلك من الحكمة التامة والمشيئة النافذة والإرادة التي لا تتخلف ولا تمانع ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، فأنظره إلى يوم الوقت المعلوم فلجَّ في العتو والتمرد والنفور: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:16، 17].
وبالفعل لقد قعد اللعين لبني آدم بكل صراط، فتراه يثبطهم عن فعل الفضائل والطاعات، ويزين لهم فعل الرذائل وارتكاب المعاصي والمنكرات لا يفتر ولا يمل ولا يستريح، بل هذا دأبه في جميع الأوقات وسائر اللحظات.
ونظرًا لخطره الكبير وتسلطه على بني الإنسان فقد علمنا ربنا الرحيم بنا، دعاء نافعًا نتحصن به من وسوسته وفتنته، وندفع به مكره وكيده وتضليله وخديعته، قال T: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:97، 98].
وعلمنا نبينا محمد ج الناصح لنا والحريص على سلامتنا من خطر هذا العدو الماكر كما جاء عن ابن عمر قال: $لَم يكن رسول الله ج يدع هؤلاء الدعوات حيث يصبح وحيث يمسي: اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يَميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي# رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد( ). حديث صحيح .
ما الذي أخرج الأبوين الكريْمين من الجنة التي أباحها الله لهما ليأكلا من جميع ثِمارها إلا شجرة واحدة نَهاهما ربُّهما عن الأكل منها لينظر طاعتهما من معصيتهما، ويقضي أمرًا كان قدرًا مقدورًا، فحسدهما الشيطان وسعى في المكر بِهما والخديعة لهما لسلبهما ما هما فيه من نعمة المأكل والمشرب واللباس والراحة الحسية والمعنوية، إذا قال لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِين﴾.
أي لئلا تكونا ملكين أو خالدين هاهنا، فادعى لنفسه صفة الإخلاص في المحبة والنصح، وادعى لربه -تنَزه وتقدس- صفة الحسد: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾، أي حلف لهما أثناء الحوار الخادع والمراودة الماكرة بأنه صادق في قوله ناصح في رأيه ومشورته مبررًا ذلك بأنه قد خلق قبلهما وعنده من العلم ما ليس عندهما: ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
فلما وقعا في المعصية وحلت العقوبة بادرا إلى التوبة من الذنب رحمة بِهما من ربِّهما، إذ توجها إليه بِما ألهما به: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
فتاب عليهما إنه هو التواب الرحيم، ثم اقتضت حكمته سبحانه وهو الحكيم لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه أن يهبط إبليس وآدم وحواء إلى الأرض لتكون فيها حياتُهم وفيها مماتُهم ومنها يخرجون، كما قال T: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
ما سبب ذلك؟ إنَّها المعصية .. فيابن آدم، إن لك لأكبر عظة وأعظم عبرة وأقوى مزدجر في قصة الأبوين، ومكر إبليس بِهما وخديعته لهما حتى أوقعهما في المعصية التي سببت لهما عقوبة انكشاف العورة والخروج من جنة الخلد إلى دار النصب والتعب والفناء .
فاحذر الشيطان يا عبد الله فإنه كان عدوًّا لأبويك من قبل كما علمت وهو عدو لك عبر حياتك الدنيوية، واعلم أنك لن تنجو منه إلا برعاية الله وحفظه ولن يحصل لك حفظ من الله أو رعاية إلا إذا قويت صلتك به بفعل طاعته وترك معصيته، وراقبته في جميع تصرفاتك، وحفظت التكاليف كلها طيلة حياتك وأنت واثق بالله معتصم به مستقيم على هدي رسوله، بعيد عن مخالفته امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: من الآية63].
وما الذي سبب الهلاك بالغرق لقوم نوح، فاستأصلهم إلا أصحاب السفينة التي جعلها الله آية للعالمين؟
إن الذي سبب ذلك هو الوقوع في معصية لا ككل المعاصي، ألا وهي الشرك بالله الذي لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .
وما الذي دمر قوم هود وهم ذوو عدد وعدة، ومكانة وقوة، إلا الوقوع في المعاصي؟ كما قص الله خبرهم بقوله: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:15-16].
وعلى العموم فما الذي سبب هلاك الأمم الماضية بأنواع من العذاب مختلفة وألوان من التدمير مدهشة ومفزعة إلا الوقوع في المعصية. قال -تبارك وتعالى- بعد أن ذكر عددًا من الأمم وبين نوع معاصيهم: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:40].
FFFFF
الفصل الثاني
في بيان أقسام المعصية إلى كبيرة وصغيرة
وبعد هذا العرض المختصر لخطر المعصية وشؤمها فإنني سأنبه على جانب آخر لا يقل أهمية عن الكلام السابق في هذا الباب، ذلكم الجانب هو أن المعصية من حيث هي معصية تنقسم إلى كبيرة وصغيرة .
وقد قال ابن عباس في ضابط الكبيرة: $هي كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب#. وهي بِهذا التعريف الواسع لا تنحصر في السبع أو التسع الواردة في الحديث، وإنما هي كثيرة ولكن بعضها أعظم
من بعض .
ويروى أن ابن عباس سئل عن الكبائر: أسبع هي؟ فقال: $هي إلى السبعين أقرب#. وقال لسائل آخر: $هي إلى السبعمائة أقرب#. غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار، وقد وعد الله T مجتنبي الكبائر من عباده أن يكفر عنهم سيئاتِهم ويدخلهم مدخلاً كريْمًا فقال:
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيْمًا﴾ [النساء:31].
ومن ناحية أخرى فقد مدح الله قومًا اجتنبوا كبائر الإثم والفواحش فقال T: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾.
وجعل سبحانه اجتناب الكبائر من صفات أهل الإيْمان بالله والتوكل عليه حيث قال: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:36-37].
وقد جاء في الحديث الصحيح ذكر تسع من الكبائر لشدة خطرها وكثرة ضررها فعن أبي هريرة أن رسول الله ج قال: $اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات#( ).
وفي حديث ابن عمر عند البخاري في الأدب المفرد ذكر السبع، وزاد: $والإلحاد في الحرم، وعقوق الوالدين#.
FFFFF
الفصل الثالث
في ذكر شيء من الكبائر إجمالاً وتفصيلاً
إن العلماء -رحمهم الله- ذكروا معاصي جمة، عدوها من الكبائر، فذكروا القمار والسرقة، وشرب الخمر، وسب السلف الصالح، وعدول الحكام عن الحق واتباع الهوى، واليمين الفاجرة، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والزنا، واللواط، وشتم الرجل والديه، وإيواء المحدث، وذكروا غير ذلك مما يكثر تعداده، ويتعذر حصره في مثل هذا البحث المختصر( ).
ومن أراد استيفاء ذلك والحصر التقريبي فليقرأ كتاب ربه الذي أنزله تبيانًا لكل شيء وهدى وبشرى للمسلمين، وليكثر من قراءة كتب الشريعة التي عنيت بذلك من تفسير، وحديث، وتوحيد، وفقه، وأصول، ونحوها من العلوم النافعة سائلاً الله أن يفتح له الفتح المبين، ويرزقه الاستقامة على هدي سيد المرسلين متوخيًا الصدق والصواب في القول، والإخلاص في الاعتقاد والعمل راجيًا الأجر والمثوبة ممن يبدل سيئات التائبين حسنات، ويمحو بفضله وإحسانه بعد أن ذكر جملة المعاصي: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَات﴾ [الفرقان: من الآية70].
قلت: ولا غرابة أن يأتي النص النبوي الكريم بذكر التسع من الكبائر ولا غرابة أيضًا أن يذكر علماء الشريعة منها ما سطرته لك آنفًا إجمالاً، لأن تلك المذكورات لها أضرارها البليغة في الدين والعرض والمال، ولها خطرها الجسيم على الفرد والجماعة والأمة .
1- فأما الشرك بالله: فهو أعظم ذنب عصي الله به، وكفى به خطرًا وضررًا أن صاحبه خالد مخلد في النار بنص القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: من الآية48].
2- وأما السحر: فإن العمل به وتشجيع أهله وتصديقهم ذنب قبيح وكفر صريح، كما قال T: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: من الآية102].
3- وأما قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق: فهو بغي وظلم وعدوان حذر الله من الوقوع فيه في محكم القرآن، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: من الآية151].
كما رتب عليه أشد الوعيد وهدد فاعله أبلغ تَهديد، فقال سبحانه:
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:93].
4- وأما أكل الربا: فجريْمة منكرة ومعاملة جاهلية فاجرة توجب العقوبة في الدنيا والآخرة، قال T: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: من الآية275].
ولعن رسول الله ج آكله وموكله وكاتبه وشاهديه كما ثبت ذلك في النص الصحيح( ).
5- وأما أكل مال اليتيم: بأي وسيلة من الوسائل، وبأي طريقة من الطرق فعار ونار ومحق لبركة الأموال، والأعمال، والأعمار في الدنيا ودار البرزخ والقرار بدليل قول المولى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:10].
6- وأما التولي يوم الزحف: فموجب لغضب الله الواحد القهار، ودليل على الرضا بالهوان والخور، وتخل عن العزة التي وهبها للمؤمنين العزيز الغفار بدليل قول الله T: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:15-16].
7- وأما قذف الْمُحصنات الغافلات المؤمنات: فقد عظم الله شأنه في محكم الآيات، فقال -عز من قائل كريم-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:23].
8- وأما الإلحاد في حرم الله: الذي قد قدسه واصطفاه وجعله مكانًا لركن عظيم من أركان الإسلام، فما أعظم إثمه وأشد عقوبته، كيف لا يكون الأمر كذلك وقد رتب الله العقوبة على الهم بفعل الذنب فيه ولو لَم يفعله صاحبه كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: من الآية25].
9- وأما عقوق الوالدين: بالإساءة إليهما، وعدم القيام بحقوقهما في حال الحياة وبعد الممات فعقوبة صاحبه معجلة ومؤجلة لأن العاق لوالديه لئيم الطبع سيئ الخلق، سفيه النفس، بعيد من الرحمن، مستجيب لدعوة الشيطان قد اشترى الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، فما أحراه -إن لَم يتب- بالذل والخزي والخسران، قال تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيْمًا﴾ [الإسراء: من الآية23].
10- وأما القمار: وهو الميسر فقد أمر الله باجتنابه وقرنه في التحريم مع ما يعبد من دون الله، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:90].
11- وأما السرقة: التي هي أخذ المال من حرزه -وحرز كل شيء بحسبه- فهي جريمة يبعث على تعاطيها خسة النفس وعدم التقوى، وغمط حق الغير وحب التسول والبطالة غالبًا، واختيار الفوضى، فجاءت عقوبتها حاسمة ورادعة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:38].
فتبقى اليد المقطوعة دلالة عار على صاحبها جزاء ما فعل وفي نفس الوقت عظة وعبرة لمن تحدثه نفسه بجريمة الاعتداء على أموال الغير التي اكتسبوها بقسم الله لهم ثم بعرق الجبين منهم.
12- وأما شرب الخمر: فإن ضررها ثابت في الدين والمال والعرض والبدن، ويكفي في شؤمها وخبثها أنَّها سميت أم الخبائث فقد قال عثمان : $اجتنبوا الخمر فإنَّها أم الخبائث#( ). ولعنها رسول الله ج وتسعة معها كما في حديث ابن عمر يقول: قال رسول الله ج: $لعنت الخمر على عشرة وجوه: لعنت الخمر بعينها، وشاربِها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والْمَحمولة إليه، وآكل ثَمنها#( ).
13- وأما سب السلف الصالح -رحمهم الله ورضي عنهم-: فإثم كبير، وبُهتان عظيم، وقبل إصدار الحكم على فاعلي هذه الجريمة الماكرة والجرأة الفاجرة نريد أن نعرف من هم السلف الصالح؟
فنقول: المراد بالسلف الصالح هم أصحاب رسول الله ج من المهاجرين والأنصار وفي مقدمتهم الخلفاء الأربعة، ثم المبشرون بالجنة، ثم أصحاب بدر ثم أصحاب بيعة الرضوان، ثم من أسلم من قبل الفتح بالنسبة لمن أسلم بعد الفتح ومن تبعهم في نَهجهم وتَمسك بِهديهم ممن جاء بعدهم إلى يوم الدين فهو منهم على تفاوت بينهم: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الفتح:23].
فأما من سب أحدًا من أصحاب رسول الله ج أو طعن فيه مستحلاًّ لذلك، وهو من المسلمين فما إخاله يعود إلى الإسلام سالِمًا ولا من لعنة الله وغضبه آمنًا لاسيما الخلفاء الراشدين منهم -رضي الله عنهم وأرضاهم- ذلك لأن الله -تبارك وتعالى- الذي اختارهم واجتباهم لصحبة نبيه والجهاد في سبيل الله تحت لوائه، قد شهد لهم بالصدق والفلاح والرضا عنهم كما قال T: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:18].
وقال سبحانه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:23].
وقال -عز من قائل-: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: من الآية29] إلى آخر السورة.
وشهد رسول الله لأصحابه بالخيرية ومعهم قرنان أو ثلاثة كما جاء في البخاري ومسلم وأبي داود( ) عن عمران بن حصين ( ): قال رسول الله ج: $خير أمتي قرني، ثُمَّ الذين يلونَهم، ثُمَّ الذين يلونَهم. قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثًا. ثُمَّ إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتَمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن#( ). كما رواه الترمذي عن ابن مسعود .
وقال أيضًا: $لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا لَم يدرك مد أحدهم ولا نصيفه#( ).
وغير ذلك من النصوص التي تشهد بفضلهم وصدقهم وعدالتهم وإيْمانِهم فإذا جاء منافق سليط اللسان مريض القلب فاسد العقيدة فخاض في أعراضهم بالسب والتكذيب لهم فقد رد شرع الله المنَزل، وكذب نصوص الكتاب والسنة وخالف إجماع الأمة.
ذكر رجل عند الإمام مالك ينتقص أصحاب رسول الله، فقرأ مالك قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ …﴾ حتى بلغ: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ فقال: “من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ج فقد أصابته هذه الآية”( ).
وقال عمر بن حبيب( ) -رحمه الله-: “حضرت مجلس هارون الرشيد( ) فجرت مسألة تنازعها الحضور، وعلت أصواتُهم، واحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة عن رسول الله ج فرفع بعضهم الحديث وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم: لا يقبل هذا الحديث عن رسول الله ج لأن أبا هريرة متهم فيما يرويه، وصرحوا بتكذيبه ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم ونصر قولهم، فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله ج وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن رسول الله ج وغيره، فنظر إلي الرشيد نظر مغضب، وقمت من المجلس وانصرفت إلى منْزلي، فلم ألبث حتى قيل: صاحب البريد بالباب. فدخل فقال لي: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول، وتحنط وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم أني دافعت عن صاحب نبيك وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه فسلمني منه، فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب حاسر عن ذراعيه بيده السيف، وبين يديه النطع، فلما بصر بِي قال لي: يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد من الرد والدفع لقولي بمثل ما تلقيتني به، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي قلته وجادلت عنه فيه ازدراء على رسول الله ج وعلى ما جاء به، إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام والصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول. فرجع الرشيد إلى نفسه، ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله، وأمر لي بعشرة آلاف درهم”( ).
قلت: ومن هذه النصوص الكريمة والآثار الصحيحة المستقيمة ندرك أن أصحاب رسول الله ج كلهم عدول، وأنَّهم أولياء الله حقًّا وأصفياؤه وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله صدقًا، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة في كل عصر ومصر وفي كل زمان ومكان .
ثم ندرك بجانب ذلك فساد معتقد أهل الزيغ والانحراف في أصحاب رسول الله ج على اختلاف مذاهبهم، وفي مقدمة المنحرفين الرافضة الضالة الذين يستحلون سب الشيخين أبي بكر وعمر وَزِيرَي رسول الله ج والخليفتين من بعده بإجماع أمة الإسلام.
كما يسبون الخليفة عثمان الذي كان يستحيي منه الرسول ج وتستحيي منه ملائكة الرحمن، وهكذا يسبون كثيرًا من أصحاب رسول الله من سبقت لهم من الله الحسنى، كل ذلك بدون مسوغ مقبول أو معقول بل استجابة لما تمليه عليهم شياطينهم، ويقرره ساداتُهم وكبراؤهم: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:44].
وأما سب السلف من غير أصحاب رسول الله ج ممن جاء بعدهم لاسيما أصحاب القرون المفضلة بعد الصحابة فهو اعتداء أثيم ومحاربة للحق، ودليل على فقدان الحكمة التي تقتضي وضع الشيء في موضعه، ومن أبغض أولياء الله وطعن عليهم فقد وضع الطعن في غير محله، الأمر الذي يتنافى مع مقتضى الحكمة التي أمر الإنسان أن يكون عليها في جميع أعماله وكافة تصرفاته أسوة بربه الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها، ويحكم لا معقب لحكمه، كما أن سب أولئك السلف فسق صادر عن خبث الطوية وضعف الإيمان وداء الحسد.
ومتى وجدت هذه الأمراض القاتلة في عبد من عباد الله، انعكست عليه الأمور وتغيرت أمامه الأحوال بسبب فساد قلبه وسوء قصده، فتراه يبغض من تجب محبته وموالاته، ويوالي ويحب من يتعين بغضه ومعاداته: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: من الآية17].
14- وأما عدول الحكام عن الحق في الأحكام: فقد تولى الله تبيانه في مواضع كثيرة من كتابه العزيز وبالأخص في ثلاث آيات من سورة المائدة، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: من الآية44]. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: من الآية45]. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: من الآية47].
وللعلماء الأعلام تفاصيل في هذا المقام، غير أنه من المعلوم بداهة أن العدول عن أحكام الله العادلة والرغبة عن شريعته الكاملة واختيار قوانين بشرية وضعها أئمة الكفر ومردة الإلحاد سخافة وحماقة وضلالة يمقتها الله والصالحون من عباده.
قال ابن عباس في تفسير هذه الآيات: $كفر دون كفر#. و: $ظلم دون ظلم#. و: $فسق دون فسق#. فهو ظلم أكبر عند استحلاله، وعظيمة كبيرة عند من فعله غير مستحل له:
وقال العلامة الجليل عبد الرحمن بن ناصر السعدي -غفر الله لنا وله- في تفسير هذه الآيات الثلاث ما نصه: “ومن لَم يحكم بِما أنزل الله من الحق المبين، وحكم بالباطل الذي يعلمه لغرض من أغراضه الفاسدة فأولئك هم الكافرون، فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفرًا ينقل عن الملة وذلك إذا اعتقد حله وجوازه، وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب ومن أعمال الكفر قد استحق من فعله العذاب الشديد”( ).
قلت: ومن سبر حال العالم الإسلامي اليوم الذي يبلغ تعداده ألف مليون مسلم تقريبًا وعلم مواقفهم المنحرفة عن هذا الدين تبين له يقينًا أن أكثرهم أعداؤه وليسوا أنصاره .
وحينئذ حق للمسلم الذي يهمه شأن الإسلام والمسلمين وليس له من الأمر شيء أن يبكي بدل الدموع دمًا إن كان في العين طاعة، وأن يتفتت قلبه ويعتصر فؤاده إن كان في القلب حياة وفي الفؤاد استيقاظ، ولسان حاله ومقاله يردد:
لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان فِي القلب إسلام وإيْمَان
وإننِي لأعلم صنفين من الأمة إذا صلحا صلح الناس إلا من غلبت شقوتُهم عليهم:
الصنف الأول: رؤساء وملوك الأمة الإسلامية الذين مكنهم الله في الأرض وجعلهم خلفاء فيها لينظر كيف يعملون، وجعلهم أمناء على شرعه ليعلم ماذا يصنعون.
الصنف الثاني: هم العلماء الذين جعلهم الله ورثة الأنبياء، وسادة الدنيا، وصفوة الخلق بعد الأنبياء والرسل وما ذلك إلا ليقوموا بمهمة الأنبياء والرسل في نشر العلم للخلق وبذل النصح لهم على اختلاف طبقاتِهم، حكامًا ومحكومين، والصبر على ما يصيبهم من أذى، فلهم في ذلك الأسوة الحسنة والقدوة الرشيدة في كل داعية إلى الله صادق صابر مخلص جعل منهاج الأنبياء سبيله وأدب المرسلين خلقه فإلى أولئك وهؤلاء أوجه نصيحتي المتواضعة من خلال هذه السطور طالبًا منهم أن ينظروا بتبصر وتأمل ويتفكروا بإخلاص وتعقل .
كيف سمح ويسمح بعبادة الموتى في كثير من بلدان المسلمين حيث بنيت الأضرحة على الموتى وزخرفت قبابُها وكسيت بأفخر اللباس وتطيب بأفخر الطيب، ويدعى أهلها لجلب كل مصلحة، وتنفيس كل كرب، وتفريج كل هم، باعتبارهم الواسطة بين الله وخلقه، ومع الأسف أن هذا الصنيع الشنيع، والشرك الفظيع كان ويكون على مرأى ومسمع ممن حملهم الله مسئولية الأمة وحسن رعايتها من علماء وحكام وعقلاء !!.
وإذا كان الأمر كذلك فإنه يجب على الدعاة إلى الله في كل مكان وبالأخص في البلدان التي يوجد فيها هذا الشرك الأكبر، والانحراف العقدي أن يبدءوا في دعوتِهم بتحذير الناس من الوقوع في ضروب الشرك وبيان ما يترتب عليه من خسران الدنيا والآخرة ويشرحوا للناس عقيدة التوحيد الصافية السليمة عقيدة أهل السنة والجماعة هذا هو منهج الرسل الكرام والأنبياء العظام في دعوتِهم لأممهم عبر القرون والأجيال .
ثم كيف تركت أحكام الإسلام، وأهملت شرائعه، وعزلت عن دنيا البشر في كثير من دول العالم الإسلامي، ولم يسمح لها بالتدخل في شئون الخلق إلا في الأحوال الشخصية فقط، أما السياسية والحكم والحرب والسلم والمعاملات والأخلاق والسلوك فلا دخل لدين الله فيها، وإنما الحكم فيها أولاً وأخيرًا للقانون العلماني البغيض، الذي أسسه أئمة الكفر، ومردة الملحدين، وتقبله تلاميذتُهم الأغبياء ظنًّا منهم أنه تنظيم فريد لشئون أمم الأرض ومبدأ كفيل بحياة سعيدة تسمى حياة التقدم والتطور والرقي والانفتاح إلى غير ذلك من الألقاب التي هي في ظاهرها كلمات عِذَاب، وفي كنهها وحقيقتها خزي وشقاء وعذاب .
ليسمح لي المعنيون -أحياهم الله حياة الإيمان وجنبهم حياة الغفلة والعصيان- أن أذكرهم -إذ لا مانع في ديننا أن يذكر صغير القوم كبيرهم، وقليل العلم كثيره، وألفت الأنظار للنظر في أوضاع عالمنا الإسلامي وما فيه من الانحرافات في العقيدة والخلق والسلوك- الأمر الذي يحتاج إلى عقد المؤتمرات الجادة إثر المؤتمرات وعلى أعلى المستويات من أجل أن يطبق الإسلام في ديار المسلمين تطبيقًا كاملاً، وهذه خطوة أولى.
وخطوة ثانية جديرة بالاهتمام وهي التخطيط الحكيم لنشر الإسلام في أمم الأرض الذين لا سبيل لهم إلى فهم الإسلام إلا من طريقنا نحن المسلمين .
نعم ليسمح لي المعنيون أن أذكرهم بما هم أكثر به علمًا مني من تاريخ أسلافهم الأوائل من خلفاء وأمراء وعلماء وما كان لهم من فتوحات واسعة في شرق الدنيا وغربِها وشمالها وجنوبِها .
وإن المسلمين اليوم ليملكون من القوة ما لم يكن لدى المسلمين آنذاك غير أنَّهم في حاجة ضرورية إلى تحقيق كلمة التوحيد، وتحقيق وحدة الكلمة على الحق والعمل به، والدعوة إليه ثم وحدة الصف في ميدان الجهاد الشريف المقدس الذي يظفر أهله بإحدى الحسنيين، إما النصر والغنيمة وإما الشهادة التي هي غاية المطالب، وأشرف الأماني، وتلك هي القوة المعنوية التي لا تقف أمامها قوة من قوى الأرض المادية مهما تعددت وتنوعت وطنطنت فأخافت وأرهبت، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، والعاقبة للمتقين: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. [آل عمران: من الآية126] .
ألا وإنني لمتفائل خيرًا ومنتظر فرجًا ومخرجًا، متمثل بقول القائل:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكـون وراءه فـرج قريب
15- وأما اتباع الهوى: فمعناه الاندفاع السريع إلى تحقيق متطلبات النفس الأمارة بالسوء وعدم التثبت في الأمور مما ينتهي ويفضي بالإنسان إلى الضلال الذي يبعد صاحبه عن فضيلة الحق وينسيه ما وراءه من العذاب الشديد، قال T محذرًا عبده ورسوله داود من خطر اتباع الهوى وما يترتب عليه من السوء والمكروه: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:26] .
ولقد نَهى الله سبحانه نبيه محمدًا ج عن طاعة عباد الهوى لأنه يعمي ويصم فقال: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: من الآية28]. وإذن فالحق أحق أن يتبع، والهوى أحق أن يتقى ويجتنب.
16- وأما ال