30
November
2007

في بيان خطر المعصية وشؤمها

في بيان خطر المعصية وشؤمها 
وبيان عواقبها الوخيمة
ولما كان الحديث في الأبواب السابقة، وما اندرج تحتها من فصول يدور على الحث على الالتزام بأسباب فلاح العبد في آخرته ودنياه، والترغيب في ذلك، كما كان يدور على وجوب الأخذ بقوة بأسباب السعادة والنجاة من الأهوال والشدائد والكروب التي ستكون يوم القيامة حيث قد جمعت فيها شيئًا كثيرًا من تلك الأسباب التي يعتبر الالتزام بِها وتطبيقها تطبيقًا عمليًّا في حياة الإنسان طريقًا موصلاً إلى رضا الله والسعادة في رحابه في دار البرزخ والقرار كما يعتبر أمانًا وضمانًا وحصنًا حصينًا بإذن الله من الشقاء الدنيوي والأخروي، فإنني أحب أن يكون هذا الباب في بيان خطر المعصية وشؤمها وبيان عواقبها الوخيمة في الدنيا والبرزخ والآخرة بشيء من التفصيل وضرب الأمثلة التي تبين الشؤم وتبرهن على سوء العواقب فأقول مستمدًّا العون والتوفيق من الله:

الفصل الأول
في بيان أخطار المعاصي الدنيوية والأخروية
إن اقتراف المعاصي وانسياق النفس والجوارح وراءها والتلذذ بِها هو السبب الأكبر في شقاء ذويها وهلاكهم وحرمانِهم من سعادة الدارين.
نعم إن اكتساب المعاصي والسقوط في حمأتِها الآسنة سبب في أخذ الله لأصحابِها بأصناف البلايا والمحن والعقوبات المتنوعة، وسبب أيضًا في نقص الأديان ودمار البلاد والعباد والأعمال والأعمار والأرزاق، وسبب في انتشار الشر المستطير والفساد الكبير في أرض الله العلي الكبير .
وفي القرآن الكريم والسنة المطهرة ما يدل على ذلك بجلاء ووضوح وإليك بعضه:
1- قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [الشورى:30].
2- وقال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: من الآية79].
3-وقال T: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران:165] .
4-وقال -تبارك وتعالى-: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص:58].
5- وقال -عز من قائل-: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الطلاق:8].
6- وقال سبحانه: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ [الروم: من الآية41].
 وأما في السنة :
1- فقد روى الترمذي في جامعه عن أبي هريرة  قال: قال رسول الله ج: $إذا اتخذ الفيء دولاً، والأمانة مغنمًا، والزكاة مغرمًا، وتعلم لغير الدين، وأطاع الرجل امرأته، وعق أمه، وأدنى صديقه، وأقصى أباه وظهرت الأصوات في المساجد، وساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم، وشربت الخمور، ولعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقبوا عند ذلك ريحًا حمراء وزلزلة وخسفًا ومسخًا وقذفًا وآيات تتتابع كنظام بال قطع سلكه#( ) قال الترمذي حديث غريب .
2- وروى الإمام أحمد( ) وابن ماجه( ) عن ثوبان( ) عن النبي ج أنه قال: $إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه#.
3- وعن عبد الله بن عمر  قال: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله ج فأقبل علينا بوجهه فقال: $يا معشر المهاجرين، خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوا بِها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لَم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لَم يَمطروا، ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وما لَم تعمل أئمتهم بِما أنزل الله في كتابه إلا جعل الله بأسهم بينهم#( ).
4- وعن ابن عباس  قال: قال رسول الله ج: $ما طفف قوم كيلاً ولا بخسوا ميزانًا إلا منعهم الله T القطر، وما ظهر في قوم الزنا إلا ظهر فيهم الموت، وما ظهر في قوم الربا إلا سلط الله عليهم الجنون، وما ظهر في قوم القتل، يقتل بعضهم بعضًا إلا سلط الله عليهم عدوهم، ولا ظهر في قوم عمل قوم لوط إلا ظهر فيهم الخسف، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا لَم ترفع أعمالهم ولَم يسمع دعاؤهم#( ).
وغير ذلك من النصوص في هذا المعنى كثير، وكلها تدل على أن المعصية هي السبب الوحيد في تغيير حال الفرد والجماعة والأمة من نعمة إلى نقمة ومن سعادة إلى شقاوة، ومن رخاء إلى شدة، ومن يسر إلى عسر، مما يدل على شؤمها وسوء مغبتها وتحقق عقوبتها العاجلة والآجلة .
وصدق الله T: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: من الآية11].
ويقول أيضًا: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:53].
ومن أراد أن يعرف خطر المعصية جيدًا ليزحزح نفسه عن دروبِها ويبتعد عن عناصرها ووسائلها، فليقرأ القصص القرآني الكريم بتأمل واعتبار فإنه حينئذ سيستبين له الأمر على أكمل وجه، وتظهر له الحقيقة واضحة جلية أن المعصية سبب في رفع النعم وتدمير الأجيال والأمم، ومسخها وترديها في الحضيض والدركات في دورها الثلاث، ولا عاصم من أمر الله إلا من رحم .
واسمح لي أيها القارئ الكريم -وأرجو الله أن يجعلنا جميعًا كرماء لنسمع القول فنطيع، ونقرأ المفيد فنعمل به وننشره- اسمح لي أن أسأل وأجيب:
 ما الذي سبب لإبليس الطرد والإبعاد والنفي من محل الملأ الأعلى، وقد كان أشد اجتهادًا في العبادة مع الملائكة ؟
والجواب: إنَّها المعصية، ذلك أن الله الحكيم خلق آدم بيده من تراب ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعله بشرًا سويًّا، وعلمه الأسماء كلها، وأمر الملائكة -وإبليس فيهم- بالسجود له، فسجدوا إلا إبليس الحسود أبى أن يكون مع الساجدين معتزًّا بأصله، ومفتخرًا بعنصره، ومحتقرًا لمن أمر بالسجود له، فصار بتلك المعصية الواحدة ملعونًا أثيما، وشيطانًا رجيمًا، ومحرومًا من رحمة الله جزاء ما فعل، وكان الله عليمًا حكيمًا والآيات التالية تقص علينا نبأ القصة بالتفصيل:
قال T: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ  قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ  قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف:11-13].
وحقًّا لقد أهبط إبليس من قمة العز وشرف الطاعة إلى حضيض الذل والحقارة والهوان بسبب عصيانه لأمر الله الذي يجب أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر، فلما يئس اللعين من رحمة الغفور الرحيم التي لَم تكتب لإبليس ولا لحزبه، وإنما كتبت لأهل الإيمان والطاعة والتقوى، طلب المهلة من ربه إلى يوم الدين: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الأعراف:14].
فأنظره الله لما له في ذلك من الحكمة التامة والمشيئة النافذة والإرادة التي لا تتخلف ولا تمانع ولا معقب لحكمه وهو سريع الحساب، فأنظره إلى يوم الوقت المعلوم فلجَّ في العتو والتمرد والنفور: ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ  ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف:16، 17].
وبالفعل لقد قعد اللعين لبني آدم بكل صراط، فتراه يثبطهم عن فعل الفضائل والطاعات، ويزين لهم فعل الرذائل وارتكاب المعاصي والمنكرات لا يفتر ولا يمل ولا يستريح، بل هذا دأبه في جميع الأوقات وسائر اللحظات.
ونظرًا لخطره الكبير وتسلطه على بني الإنسان فقد علمنا ربنا الرحيم بنا، دعاء نافعًا نتحصن به من وسوسته وفتنته، وندفع به مكره وكيده وتضليله وخديعته، قال T: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ  وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون:97، 98].
وعلمنا نبينا محمد ج الناصح لنا والحريص على سلامتنا من خطر هذا العدو الماكر كما جاء عن ابن عمر  قال: $لَم يكن رسول الله ج يدع هؤلاء الدعوات حيث يصبح وحيث يمسي: اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي واحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يَميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي# رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح الإسناد( ). حديث صحيح .
 ما الذي أخرج الأبوين الكريْمين من الجنة التي أباحها الله لهما ليأكلا من جميع ثِمارها إلا شجرة واحدة نَهاهما ربُّهما عن الأكل منها لينظر طاعتهما من معصيتهما، ويقضي أمرًا كان قدرًا مقدورًا، فحسدهما الشيطان وسعى في المكر بِهما والخديعة لهما لسلبهما ما هما فيه من نعمة المأكل والمشرب واللباس والراحة الحسية والمعنوية، إذا قال لهما: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِين﴾.
أي لئلا تكونا ملكين أو خالدين هاهنا، فادعى لنفسه صفة الإخلاص في المحبة والنصح، وادعى لربه -تنَزه وتقدس- صفة الحسد: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾، أي حلف لهما أثناء الحوار الخادع والمراودة الماكرة بأنه صادق في قوله ناصح في رأيه ومشورته مبررًا ذلك بأنه قد خلق قبلهما وعنده من العلم ما ليس عندهما: ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.
فلما وقعا في المعصية وحلت العقوبة بادرا إلى التوبة من الذنب رحمة بِهما من ربِّهما، إذ توجها إليه بِما ألهما به: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
فتاب عليهما إنه هو التواب الرحيم، ثم اقتضت حكمته سبحانه وهو الحكيم لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه أن يهبط إبليس وآدم وحواء إلى الأرض لتكون فيها حياتُهم وفيها مماتُهم ومنها يخرجون، كما قال T: ﴿قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.
ما سبب ذلك؟ إنَّها المعصية .. فيابن آدم، إن لك لأكبر عظة وأعظم عبرة وأقوى مزدجر في قصة الأبوين، ومكر إبليس بِهما وخديعته لهما حتى أوقعهما في المعصية التي سببت لهما عقوبة انكشاف العورة والخروج من جنة الخلد إلى دار النصب والتعب والفناء .
فاحذر الشيطان يا عبد الله فإنه كان عدوًّا لأبويك من قبل كما علمت وهو عدو لك عبر حياتك الدنيوية، واعلم أنك لن تنجو منه إلا برعاية الله وحفظه ولن يحصل لك حفظ من الله أو رعاية إلا إذا قويت صلتك به بفعل طاعته وترك معصيته، وراقبته في جميع تصرفاتك، وحفظت التكاليف كلها طيلة حياتك وأنت واثق بالله معتصم به مستقيم على هدي رسوله، بعيد عن مخالفته امتثالاً لقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: من الآية63].
 وما الذي سبب الهلاك بالغرق لقوم نوح، فاستأصلهم إلا أصحاب السفينة التي جعلها الله آية للعالمين؟
إن الذي سبب ذلك هو الوقوع في معصية لا ككل المعاصي، ألا وهي الشرك بالله الذي لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء .
 وما الذي دمر قوم هود وهم ذوو عدد وعدة، ومكانة وقوة، إلا الوقوع في المعاصي؟ كما قص الله خبرهم بقوله: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ  فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت:15-16].
 وعلى العموم فما الذي سبب هلاك الأمم الماضية بأنواع من العذاب مختلفة وألوان من التدمير مدهشة ومفزعة إلا الوقوع في المعصية. قال -تبارك وتعالى- بعد أن ذكر عددًا من الأمم وبين نوع معاصيهم: ﴿فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [العنكبوت:40].

FFFFF
الفصل الثاني
في بيان أقسام المعصية إلى كبيرة وصغيرة
وبعد هذا العرض المختصر لخطر المعصية وشؤمها فإنني سأنبه على جانب آخر لا يقل أهمية عن الكلام السابق في هذا الباب، ذلكم الجانب هو أن المعصية من حيث هي معصية تنقسم إلى كبيرة وصغيرة .
وقد قال ابن عباس  في ضابط الكبيرة: $هي كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب#. وهي بِهذا التعريف الواسع لا تنحصر في السبع أو التسع الواردة في الحديث، وإنما هي كثيرة ولكن بعضها أعظم
من بعض .
ويروى أن ابن عباس سئل عن الكبائر: أسبع هي؟ فقال: $هي إلى السبعين أقرب#. وقال لسائل آخر: $هي إلى السبعمائة أقرب#. غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار، وقد وعد الله T مجتنبي الكبائر من عباده أن يكفر عنهم سيئاتِهم ويدخلهم مدخلاً كريْمًا فقال:
﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيْمًا﴾ [النساء:31].
ومن ناحية أخرى فقد مدح الله قومًا اجتنبوا كبائر الإثم والفواحش فقال T: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى  الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلاَّ اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾.
وجعل سبحانه اجتناب الكبائر من صفات أهل الإيْمان بالله والتوكل عليه حيث قال: ﴿فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ  وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى:36-37].
وقد جاء في الحديث الصحيح ذكر تسع من الكبائر لشدة خطرها وكثرة ضررها فعن أبي هريرة  أن رسول الله ج قال: $اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات#( ).
وفي حديث ابن عمر عند البخاري في الأدب المفرد ذكر السبع، وزاد: $والإلحاد في الحرم، وعقوق الوالدين#.

FFFFF
الفصل الثالث
في ذكر شيء من الكبائر إجمالاً وتفصيلاً
إن العلماء -رحمهم الله- ذكروا معاصي جمة، عدوها من الكبائر، فذكروا القمار والسرقة، وشرب الخمر، وسب السلف الصالح، وعدول الحكام عن الحق واتباع الهوى، واليمين الفاجرة، والقنوط من رحمة الله، والأمن من مكر الله، والزنا، واللواط، وشتم الرجل والديه، وإيواء المحدث، وذكروا غير ذلك مما يكثر تعداده، ويتعذر حصره في مثل هذا البحث المختصر( ).
ومن أراد استيفاء ذلك والحصر التقريبي فليقرأ كتاب ربه الذي أنزله تبيانًا لكل شيء وهدى وبشرى للمسلمين، وليكثر من قراءة كتب الشريعة التي عنيت بذلك من تفسير، وحديث، وتوحيد، وفقه، وأصول، ونحوها من العلوم النافعة سائلاً الله أن يفتح له الفتح المبين، ويرزقه الاستقامة على هدي سيد المرسلين متوخيًا الصدق والصواب في القول، والإخلاص في الاعتقاد والعمل راجيًا الأجر والمثوبة ممن يبدل سيئات التائبين حسنات، ويمحو بفضله وإحسانه بعد أن ذكر جملة المعاصي: ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَات﴾ [الفرقان: من الآية70].
قلت: ولا غرابة أن يأتي النص النبوي الكريم بذكر التسع من الكبائر ولا غرابة أيضًا أن يذكر علماء الشريعة منها ما سطرته لك آنفًا إجمالاً، لأن تلك المذكورات لها أضرارها البليغة في الدين والعرض والمال، ولها خطرها الجسيم على الفرد والجماعة والأمة .
1- فأما الشرك بالله: فهو أعظم ذنب عصي الله به، وكفى به خطرًا وضررًا أن صاحبه خالد مخلد في النار بنص القرآن الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: من الآية48].
2- وأما السحر: فإن العمل به وتشجيع أهله وتصديقهم ذنب قبيح وكفر صريح، كما قال T: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: من الآية102].
3- وأما قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق: فهو بغي وظلم وعدوان حذر الله من الوقوع فيه في محكم القرآن، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: من الآية151].
كما رتب عليه أشد الوعيد وهدد فاعله أبلغ تَهديد، فقال سبحانه:
﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:93].
4- وأما أكل الربا: فجريْمة منكرة ومعاملة جاهلية فاجرة توجب العقوبة في الدنيا والآخرة، قال T: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: من الآية275].
ولعن رسول الله ج آكله وموكله وكاتبه وشاهديه كما ثبت ذلك في النص الصحيح( ).
5- وأما أكل مال اليتيم: بأي وسيلة من الوسائل، وبأي طريقة من الطرق فعار ونار ومحق لبركة الأموال، والأعمال، والأعمار في الدنيا ودار البرزخ والقرار بدليل قول المولى : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء:10].
6- وأما التولي يوم الزحف: فموجب لغضب الله الواحد القهار، ودليل على الرضا بالهوان والخور، وتخل عن العزة التي وهبها للمؤمنين العزيز الغفار بدليل قول الله T: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ  وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال:15-16].
7- وأما قذف الْمُحصنات الغافلات المؤمنات: فقد عظم الله شأنه في محكم الآيات، فقال -عز من قائل كريم-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور:23].
8- وأما الإلحاد في حرم الله: الذي قد قدسه واصطفاه وجعله مكانًا لركن عظيم من أركان الإسلام، فما أعظم إثمه وأشد عقوبته، كيف لا يكون الأمر كذلك وقد رتب الله العقوبة على الهم بفعل الذنب فيه ولو لَم يفعله صاحبه كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: من الآية25].
9- وأما عقوق الوالدين: بالإساءة إليهما، وعدم القيام بحقوقهما في حال الحياة وبعد الممات فعقوبة صاحبه معجلة ومؤجلة لأن العاق لوالديه لئيم الطبع سيئ الخلق، سفيه النفس، بعيد من الرحمن، مستجيب لدعوة الشيطان قد اشترى الضلالة بالهدى، والعذاب بالمغفرة، فما أحراه -إن لَم يتب- بالذل والخزي والخسران، قال تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيْمًا﴾ [الإسراء: من الآية23].
10- وأما القمار: وهو الميسر فقد أمر الله باجتنابه وقرنه في التحريم مع ما يعبد من دون الله، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:90].
11- وأما السرقة: التي هي أخذ المال من حرزه -وحرز كل شيء بحسبه- فهي جريمة يبعث على تعاطيها خسة النفس وعدم التقوى، وغمط حق الغير وحب التسول والبطالة غالبًا، واختيار الفوضى، فجاءت عقوبتها حاسمة ورادعة: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:38].
فتبقى اليد المقطوعة دلالة عار على صاحبها جزاء ما فعل وفي نفس الوقت عظة وعبرة لمن تحدثه نفسه بجريمة الاعتداء على أموال الغير التي اكتسبوها بقسم الله لهم ثم بعرق الجبين منهم.
12- وأما شرب الخمر: فإن ضررها ثابت في الدين والمال والعرض والبدن، ويكفي في شؤمها وخبثها أنَّها سميت أم الخبائث فقد قال عثمان : $اجتنبوا الخمر فإنَّها أم الخبائث#( ). ولعنها رسول الله ج وتسعة معها كما في حديث ابن عمر  يقول: قال رسول الله ج: $لعنت الخمر على عشرة وجوه: لعنت الخمر بعينها، وشاربِها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والْمَحمولة إليه، وآكل ثَمنها#( ).
13- وأما سب السلف الصالح -رحمهم الله ورضي عنهم-: فإثم كبير، وبُهتان عظيم، وقبل إصدار الحكم على فاعلي هذه الجريمة الماكرة والجرأة الفاجرة نريد أن نعرف من هم السلف الصالح؟
فنقول: المراد بالسلف الصالح هم أصحاب رسول الله ج من المهاجرين والأنصار وفي مقدمتهم الخلفاء الأربعة، ثم المبشرون بالجنة، ثم أصحاب بدر ثم أصحاب بيعة الرضوان، ثم من أسلم من قبل الفتح بالنسبة لمن أسلم بعد الفتح ومن تبعهم في نَهجهم وتَمسك بِهديهم ممن جاء بعدهم إلى يوم الدين فهو منهم على تفاوت بينهم: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾ [الفتح:23].
فأما من سب أحدًا من أصحاب رسول الله ج أو طعن فيه مستحلاًّ لذلك، وهو من المسلمين فما إخاله يعود إلى الإسلام سالِمًا ولا من لعنة الله وغضبه آمنًا لاسيما الخلفاء الراشدين منهم -رضي الله عنهم وأرضاهم- ذلك لأن الله -تبارك وتعالى- الذي اختارهم واجتباهم لصحبة نبيه والجهاد في سبيل الله تحت لوائه، قد شهد لهم بالصدق والفلاح والرضا عنهم كما قال T: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح:18].
وقال سبحانه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [الأحزاب:23].
وقال -عز من قائل-: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: من الآية29] إلى آخر السورة.
وشهد رسول الله لأصحابه بالخيرية ومعهم قرنان أو ثلاثة كما جاء في البخاري ومسلم وأبي داود( ) عن عمران بن حصين ( ): قال رسول الله ج: $خير أمتي قرني، ثُمَّ الذين يلونَهم، ثُمَّ الذين يلونَهم. قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثًا. ثُمَّ إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتَمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن#( ). كما رواه الترمذي عن ابن مسعود .
وقال أيضًا: $لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا لَم يدرك مد أحدهم ولا نصيفه#( ).
وغير ذلك من النصوص التي تشهد بفضلهم وصدقهم وعدالتهم وإيْمانِهم فإذا جاء منافق سليط اللسان مريض القلب فاسد العقيدة فخاض في أعراضهم بالسب والتكذيب لهم فقد رد شرع الله المنَزل، وكذب نصوص الكتاب والسنة وخالف إجماع الأمة.
ذكر رجل عند الإمام مالك ينتقص أصحاب رسول الله، فقرأ مالك قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ …﴾ حتى بلغ: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ فقال: “من أصبح من الناس في قلبه غيظ على أحد من أصحاب رسول الله ج فقد أصابته هذه الآية”( ).
وقال عمر بن حبيب( ) -رحمه الله-: “حضرت مجلس هارون الرشيد( ) فجرت مسألة تنازعها الحضور، وعلت أصواتُهم، واحتج بعضهم بحديث يرويه أبو هريرة  عن رسول الله ج فرفع بعضهم الحديث وزادت المدافعة والخصام حتى قال قائلون منهم: لا يقبل هذا الحديث عن رسول الله ج لأن أبا هريرة متهم فيما يرويه، وصرحوا بتكذيبه ورأيت الرشيد قد نحا نحوهم ونصر قولهم، فقلت أنا: الحديث صحيح عن رسول الله ج وأبو هريرة صحيح النقل صدوق فيما يرويه عن رسول الله ج وغيره، فنظر إلي الرشيد نظر مغضب، وقمت من المجلس وانصرفت إلى منْزلي، فلم ألبث حتى قيل: صاحب البريد بالباب. فدخل فقال لي: أجب أمير المؤمنين إجابة مقتول، وتحنط وتكفن، فقلت: اللهم إنك تعلم أني دافعت عن صاحب نبيك وأجللت نبيك أن يطعن على أصحابه فسلمني منه، فأدخلت على الرشيد وهو جالس على كرسي من ذهب حاسر عن ذراعيه بيده السيف، وبين يديه النطع، فلما بصر بِي قال لي: يا عمر بن حبيب ما تلقاني أحد من الرد والدفع لقولي بمثل ما تلقيتني به، فقلت: يا أمير المؤمنين إن الذي قلته وجادلت عنه فيه ازدراء على رسول الله ج وعلى ما جاء به، إذا كان أصحابه كذابين فالشريعة باطلة، والفرائض والأحكام والصيام والصلاة والطلاق والنكاح والحدود كله مردود غير مقبول. فرجع الرشيد إلى نفسه، ثم قال: أحييتني يا عمر بن حبيب أحياك الله، وأمر لي بعشرة آلاف درهم”( ).
قلت: ومن هذه النصوص الكريمة والآثار الصحيحة المستقيمة ندرك أن أصحاب رسول الله ج كلهم عدول، وأنَّهم أولياء الله حقًّا وأصفياؤه وخيرته من خلقه بعد أنبيائه ورسله صدقًا، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة في كل عصر ومصر وفي كل زمان ومكان .
ثم ندرك بجانب ذلك فساد معتقد أهل الزيغ والانحراف في أصحاب رسول الله ج على اختلاف مذاهبهم، وفي مقدمة المنحرفين الرافضة الضالة الذين يستحلون سب الشيخين أبي بكر وعمر وَزِيرَي رسول الله ج والخليفتين من بعده بإجماع أمة الإسلام.
كما يسبون الخليفة عثمان الذي كان يستحيي منه الرسول ج وتستحيي منه ملائكة الرحمن، وهكذا يسبون كثيرًا من أصحاب رسول الله من سبقت لهم من الله الحسنى، كل ذلك بدون مسوغ مقبول أو معقول بل استجابة لما تمليه عليهم شياطينهم، ويقرره ساداتُهم وكبراؤهم: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:44].
وأما سب السلف من غير أصحاب رسول الله ج ممن جاء بعدهم لاسيما أصحاب القرون المفضلة بعد الصحابة فهو اعتداء أثيم ومحاربة للحق، ودليل على فقدان الحكمة التي تقتضي وضع الشيء في موضعه، ومن أبغض أولياء الله وطعن عليهم فقد وضع الطعن في غير محله، الأمر الذي يتنافى مع مقتضى الحكمة التي أمر الإنسان أن يكون عليها في جميع أعماله وكافة تصرفاته أسوة بربه الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها، ويحكم لا معقب لحكمه، كما أن سب أولئك السلف فسق صادر عن خبث الطوية وضعف الإيمان وداء الحسد.
ومتى وجدت هذه الأمراض القاتلة في عبد من عباد الله، انعكست عليه الأمور وتغيرت أمامه الأحوال بسبب فساد قلبه وسوء قصده، فتراه يبغض من تجب محبته وموالاته، ويوالي ويحب من يتعين بغضه ومعاداته: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف: من الآية17].
14- وأما عدول الحكام عن الحق في الأحكام: فقد تولى الله تبيانه في مواضع كثيرة من كتابه العزيز وبالأخص في ثلاث آيات من سورة المائدة، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: من الآية44]. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: من الآية45]. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: من الآية47].
وللعلماء الأعلام تفاصيل في هذا المقام، غير أنه من المعلوم بداهة أن العدول عن أحكام الله العادلة والرغبة عن شريعته الكاملة واختيار قوانين بشرية وضعها أئمة الكفر ومردة الإلحاد سخافة وحماقة وضلالة يمقتها الله والصالحون من عباده.
قال ابن عباس  في تفسير هذه الآيات: $كفر دون كفر#. و: $ظلم دون ظلم#. و: $فسق دون فسق#. فهو ظلم أكبر عند استحلاله، وعظيمة كبيرة عند من فعله غير مستحل له:
وقال العلامة الجليل عبد الرحمن بن ناصر السعدي -غفر الله لنا وله- في تفسير هذه الآيات الثلاث ما نصه: “ومن لَم يحكم بِما أنزل الله من الحق المبين، وحكم بالباطل الذي يعلمه لغرض من أغراضه الفاسدة فأولئك هم الكافرون، فالحكم بغير ما أنزل الله من أعمال أهل الكفر، وقد يكون كفرًا ينقل عن الملة وذلك إذا اعتقد حله وجوازه، وقد يكون كبيرة من كبائر الذنوب ومن أعمال الكفر قد استحق من فعله العذاب الشديد”( ).
قلت: ومن سبر حال العالم الإسلامي اليوم الذي يبلغ تعداده ألف مليون مسلم تقريبًا وعلم مواقفهم المنحرفة عن هذا الدين تبين له يقينًا أن أكثرهم أعداؤه وليسوا أنصاره .
وحينئذ حق للمسلم الذي يهمه شأن الإسلام والمسلمين وليس له من الأمر شيء أن يبكي بدل الدموع دمًا إن كان في العين طاعة، وأن يتفتت قلبه ويعتصر فؤاده إن كان في القلب حياة وفي الفؤاد استيقاظ، ولسان حاله ومقاله يردد:
لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان فِي القلب إسلام وإيْمَان
وإننِي لأعلم صنفين من الأمة إذا صلحا صلح الناس إلا من غلبت شقوتُهم عليهم:
الصنف الأول: رؤساء وملوك الأمة الإسلامية الذين مكنهم الله في الأرض وجعلهم خلفاء فيها لينظر كيف يعملون، وجعلهم أمناء على شرعه ليعلم ماذا يصنعون.
الصنف الثاني: هم العلماء الذين جعلهم الله ورثة الأنبياء، وسادة الدنيا، وصفوة الخلق بعد الأنبياء والرسل وما ذلك إلا ليقوموا بمهمة الأنبياء والرسل في نشر العلم للخلق وبذل النصح لهم على اختلاف طبقاتِهم، حكامًا ومحكومين، والصبر على ما يصيبهم من أذى، فلهم في ذلك الأسوة الحسنة والقدوة الرشيدة في كل داعية إلى الله صادق صابر مخلص جعل منهاج الأنبياء سبيله وأدب المرسلين خلقه فإلى أولئك وهؤلاء أوجه نصيحتي المتواضعة من خلال هذه السطور طالبًا منهم أن ينظروا بتبصر وتأمل ويتفكروا بإخلاص وتعقل .
كيف سمح ويسمح بعبادة الموتى في كثير من بلدان المسلمين حيث بنيت الأضرحة على الموتى وزخرفت قبابُها وكسيت بأفخر اللباس وتطيب بأفخر الطيب، ويدعى أهلها لجلب كل مصلحة، وتنفيس كل كرب، وتفريج كل هم، باعتبارهم الواسطة بين الله وخلقه، ومع الأسف أن هذا الصنيع الشنيع، والشرك الفظيع كان ويكون على مرأى ومسمع ممن حملهم الله مسئولية الأمة وحسن رعايتها من علماء وحكام وعقلاء ‍!!.
وإذا كان الأمر كذلك فإنه يجب على الدعاة إلى الله في كل مكان وبالأخص في البلدان التي يوجد فيها هذا الشرك الأكبر، والانحراف العقدي أن يبدءوا في دعوتِهم بتحذير الناس من الوقوع في ضروب الشرك وبيان ما يترتب عليه من خسران الدنيا والآخرة ويشرحوا للناس عقيدة التوحيد الصافية السليمة عقيدة أهل السنة والجماعة هذا هو منهج الرسل الكرام والأنبياء العظام في دعوتِهم لأممهم عبر القرون والأجيال .
ثم كيف تركت أحكام الإسلام، وأهملت شرائعه، وعزلت عن دنيا البشر في كثير من دول العالم الإسلامي، ولم يسمح لها بالتدخل في شئون الخلق إلا في الأحوال الشخصية فقط، أما السياسية والحكم والحرب والسلم والمعاملات والأخلاق والسلوك فلا دخل لدين الله فيها، وإنما الحكم فيها أولاً وأخيرًا للقانون العلماني البغيض، الذي أسسه أئمة الكفر، ومردة الملحدين، وتقبله تلاميذتُهم الأغبياء ظنًّا منهم أنه تنظيم فريد لشئون أمم الأرض ومبدأ كفيل بحياة سعيدة تسمى حياة التقدم والتطور والرقي والانفتاح إلى غير ذلك من الألقاب التي هي في ظاهرها كلمات عِذَاب، وفي كنهها وحقيقتها خزي وشقاء وعذاب .
ليسمح لي المعنيون -أحياهم الله حياة الإيمان وجنبهم حياة الغفلة والعصيان- أن أذكرهم -إذ لا مانع في ديننا أن يذكر صغير القوم كبيرهم، وقليل العلم كثيره، وألفت الأنظار للنظر في أوضاع عالمنا الإسلامي وما فيه من الانحرافات في العقيدة والخلق والسلوك- الأمر الذي يحتاج إلى عقد المؤتمرات الجادة إثر المؤتمرات وعلى أعلى المستويات من أجل أن يطبق الإسلام في ديار المسلمين تطبيقًا كاملاً، وهذه خطوة أولى.
وخطوة ثانية جديرة بالاهتمام وهي التخطيط الحكيم لنشر الإسلام في أمم الأرض الذين لا سبيل لهم إلى فهم الإسلام إلا من طريقنا نحن المسلمين .
نعم ليسمح لي المعنيون أن أذكرهم بما هم أكثر به علمًا مني من تاريخ أسلافهم الأوائل من خلفاء وأمراء وعلماء وما كان لهم من فتوحات واسعة في شرق الدنيا وغربِها وشمالها وجنوبِها .
وإن المسلمين اليوم ليملكون من القوة ما لم يكن لدى المسلمين آنذاك غير أنَّهم في حاجة ضرورية إلى تحقيق كلمة التوحيد، وتحقيق وحدة الكلمة على الحق والعمل به، والدعوة إليه ثم وحدة الصف في ميدان الجهاد الشريف المقدس الذي يظفر أهله بإحدى الحسنيين، إما النصر والغنيمة وإما الشهادة التي هي غاية المطالب، وأشرف الأماني، وتلك هي القوة المعنوية التي لا تقف أمامها قوة من قوى الأرض المادية مهما تعددت وتنوعت وطنطنت فأخافت وأرهبت، فالعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، والعاقبة للمتقين: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾. [آل عمران: من الآية126] .
ألا وإنني لمتفائل خيرًا ومنتظر فرجًا ومخرجًا، متمثل بقول القائل:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكـون وراءه فـرج قريب
15- وأما اتباع الهوى: فمعناه الاندفاع السريع إلى تحقيق متطلبات النفس الأمارة بالسوء وعدم التثبت في الأمور مما ينتهي ويفضي بالإنسان إلى الضلال الذي يبعد صاحبه عن فضيلة الحق وينسيه ما وراءه من العذاب الشديد، قال T محذرًا عبده ورسوله داود  من خطر اتباع الهوى وما يترتب عليه من السوء والمكروه: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص:26] .
ولقد نَهى الله سبحانه نبيه محمدًا ج عن طاعة عباد الهوى لأنه يعمي ويصم فقال: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: من الآية28]. وإذن فالحق أحق أن يتبع، والهوى أحق أن يتقى ويجتنب.
16- وأما اليمين الفاجرة: فإنَّها ليست من خلق المؤمنين، ولا من صفات المتقين وإنَّما هي من صفات النفعيين الماديين، والباعث لهم على الانتكاس فيها عدم الخوف من الله شديد العقاب، والبعد عن خشيته ومراقبته والأمن من بطشه ومكره: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: من الآية30] .
وقال T: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَهِينٍ﴾ [القلم:10]. أي كثير الحلف استخفافًا بحق الله وعدم مبالاة بعظمته وجلاله.
وقال ج: $من حلف على يَمين صبر يتقطع بِها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان#( ).
وحقًّا إن من غضب الله عليه أناله من شديد عذابه وأليم عقابه ما لا تطيقه الأرواح ولا تقوى عليه الأبدان .
17- وأما القنوط من رحمة الله: فمعناه انقطاع الأمل والرجاء من كل خير وهو دليل قاطع على سوء الظن بالله، وعدم الثقة به والتوكل عليه، وذلك من صفات أهل الكفر والفسق والضلال. قال T: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ﴾ [الحجر:56]. أي لا ييئس وينقطع رجاؤه وأمله من رحمة ربه خالقه ومولاه إلا المخطئون طريق الحق والصواب، الجاهلون بعظمة رب الأرباب، وأما القلوب العامرة بالإيمان والمملوءة بمحبة الكريم المنان والمتعلقة بجلال الرحيم الرحمن، فلا سبيل لليأس والقنوط إليها، ولا سلطان لعدو البشرية عليها .
18- وأما الأمن من مكر الله: فلا شك في اعتباره كبيرة عظمى من كبائر الذنوب ومزلقًا خطيرًا يوجب السخط والمقت من علام الغيوب .
ومعنى المكر من الله الذي لا ينبغي أن يؤمن هو استدراجه سبحانه للعبد المستحق لذلك بالسراء، والنعيم، والإمهال وهو مقيم على المعاصي بدون خوف من الله، ولا استعداد للقاء الله وذلك جهل بالله عظيم وغرور من الشيطان الرجيم، وثقة بالنفس الأمارة بالسوء التي تميل دائمًا إلى الذميم، وتجمع إلى الانحرافات عن الصراط المستقيم.
قال قتادة -رحمه الله-: “ما أخذ الله قومًا قط إلا عند سلوتِهم وغرتِهم وغفلتهم، فلا تغتروا بالله، إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون”.
قلت: وعلى المسلم أن يجمع بين الخوف والرجاء، وأن يجعلهما كجناحي طائر السماء وتلك هي صفة الأنبياء والصديقين ،كما قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء:57] .
وهذا أعلى مقام وأحسن حال ينبغي أن يكون عليه العبد في حياة العمل، والله المستعان .
19- وأما الزنا: فهو كما وصفه الله بقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:32]. ولفحشه وقبحه وسوء عواقبه فقد رتب الله على فعله عقوبة رادعة، وذلك أن من وقع في جريمته من ذكر وأنثى من الأحرار فعليه مائة جلدة وتغريب عام بلا رأفة ولا رحمة كما قال T: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور:2] .
هذا حكمهما إذا كانا بكرين، وأما إذا كانا محصنين، فإن عقوبتهما أعظم وأغلظ كما جاء في صحيح السنة عن رسول الله ج أنه قال:
$خذوا عني خذوا عني البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم#( ).
وهذه الجريمة التي تضيع بسببها الأنساب، وتقطع الأرحام، وتعطى المواريث لغير مستحقيها، ويلحق الرجل بنسب من ليس منهم، وتوءد الفضيلة وتنتشر الرذيلة ويحطم العفاف، ويعلن الخناء .
هذه الجريمة السيئة التي تنتج عنها هذه الأخطار لها أسباب كثيرة ومتنوعة وما إخالها إلا قد توفرت في هذا العصر، وإن كانت توجد في كل مجتمع غالبًا، ومنها:
1- هتك الحجاب الشرعي الذي أمر الله به، واختيار السفور والتبرج باسم التقدم والحضارة، وباسم حرية المرأة ووجوب الثقة بِها ومحاربة الشك فيها كما يزعم أنصار المرأة ومنصفوها ‍‍!!.
2- فقد لباس التقوى التي تبعث على الخوف من العقوبة الأخروية وتبعث على الحشمة والحياء والعفة .
إدمان السمر سواء في نواديه أو على أفلامه المصورة الرخيصة التي تعنى بإثارة غرائز الجنسين بواسطة الوسائل الإعلامية على اختلاف أنواعها التي لا تتقيد بشرع، ولا تلتزم بفضيلة، ولا تتورع من رذيلة، بسبب المسخ الذي أصاب أهلها وما أكثرها في هذا الزمان في دنيا البشر، وهذا أمر لا يستغرب وقوعه في دول الغرب المنحلة، نعم لا يستغرب في فرنسا والسويد وإنجلترا وأمريكا ونحوها ولكن تكاد نفس المؤمن أن تذهب حسرات على وقوعه فيمن وممن دستورهم الإسلام واسمهم المسلمون ونساؤهم المسلمات!!.
4- التعليم المختلط بين المدرسين والمدرسات، والطلاب والطالبات، في المتوسطات والثانويات والجامعات، وما أكثر هذا النمط في العالم الإسلامي وما أعظم ما نتج عنه من فساد وانحلال خلقي وتدهور صحي ودمار اجتماعي، تدمع له عينا كل غيور وتقشعر من تصوره الجلود .
5- مشاركة المرأة للرجل في العمل الوظيفي أو الصناعي أو التجاري بدعوى أن المرأة شريكة الرجل في العمل وأن عزلها عن محيطه تعطيل لطاقة نصف المجتمع وإضعاف للاقتصاد الذي تتطلبه الحياة .
6- إلغاء العقوبات الشرعية في كثير من بلدان المسلمين، وتحكيم قانون العقوبات الوضعية التي وضعها البشر الذين يدعون أنَّهم أصحاب الرحمة البشرية والستر عليهم، بينما يتهمون الشريعة الإسلامية الرحيمة الحكيمة بالجور والقسوة وعدم الملاءمة لإنسان العصر .
7- الدعايات المغرضة ضد تعدد الزوجات الذي أباحه الله الحكيم لما فيه من جلب المصالح العامة والخاصة ودفع المفاسد كذلك .
8- تعقيد الشباب من الجنسين من الزواج المبكر بالدعوى القائلة: إن في الزواج المبكر تحطيمًا للشباب وقضاء على المستقبل، وتعقيدًا للحياة .
9- كثرة وسائل منع الحمل وكثرة وسائل الإجهاض من العقاقير الطبية مما جعل أهل العهر يمارسون الجريمة بدون خوف من نتائجها الدنيوية وسوء عاقبتها الاجتماعية .
هذه معظم الأسباب التي انتشرت بوجودها جريمة الزنا السيئة المنكرة، وهبطت المجتمعات من قمة العفاف التي أرادها لها الإسلام إلى حضيض التهتك الفاجر والانحلال الخلقي الأثيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وبالتالي فإنه لن يقضى على هذه الجريمة -جريمة الزنا- قضاء صحيحًا إلا بقطع دابر أسبابِها التي أمليتها آنفًا، ولن يتم قضاء على أسبابِها إلا أن توجد القناعة التامة والإيمان الصادق لدى حكام المسلمين وعلماء المسلمين أنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، والذين كانوا يحكمون شريعة الله كاملة في أنفسهم وفيمن ولاهم الله أمرهم وجعلهم فتنة لهم.
وفي الحقيقة فإنني لست بأول قائل ذلك، ولا أول مناد به فكم من عالم نحرير ومؤلف مخلص صادق قدير قد نادى العالم الإسلامي أجمع من فوق منبر الدعوة الإسلامية فتحمل صوته موجات الأثير فتبلغ به الآفاق البعيدة وتطرق الأسماع على اختلاف طبقات أهلها قائلاً بأعلى صوت وأوضح عبارة: يا أمة الإسلام ويا زعماء المسلمين وقادتَهم، إنه لا عز لكم إلا بتحكيم دينكم الذي ارتضاه لكم ربكم، فأودعه خير كتاب أنزله، وكلف بتبليغه خير رسول، قال له: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور:54].
ولا نصر من عند الله لكم على عدوكم إلا بطاعتكم لربكم ومتابعتكم لعبده ورسوله محمد ج، ولا سعادة لكم في آخرتكم ودنياكم إلا بتطبيق شرع الله، أمرًا ونَهيًا وحلالاً وحرامًا، وأخلاقًا وسلوكًا، وإقامة لحدوده في كل ذلك، وكم من مفت أمين ناصح للإسلام والمسلمين نادى بذلك، وكم من كاتب مبدع ومؤلف متبحر في العلوم الشرعية بقلمه السيال وبيانه البليغ نادى كذلك .
وقصارى القول: فما أكثر النداءات والصيحات بالحق، ولكن أهل الاستجابة والقبول قليل، أما الكثرة الكاثرة فإنه يصدق عليهم قول القائل :
لقد أسمعت لو ناديت حيا
ولو نـارًا نفخـت بِها أضـاءت ولكن لا حياة لمن تنادي
ولكـن أنت تنفـخ فـي رمـاد
20- وأما اللواط -وهو المعروف بالشذوذ الجنسي-: فهو فعلة قبيحة وعادة دنيئة منكرة، ابتدعها في غابر الأزمان قوم لوط الذين كانوا يسكنون في وادي الأردن في قرى متعددة، فقد كانوا يأتون تلك القبيحة والرذيلة على إجماع واتفاق وتعاون وعلانية، بدون استحياء من الله، ولا من نبي الله، ولا من خلق الله، ولا خوف من عقوبة عاجلة أو آجلة فوعظهم نبيهم فهددوه بأصناف الأذى ووبخهم بما حكاه الله على لسانه: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ  وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ [الشعراء:165، 166] .
وكرر توبيخهم لعلهم يرعوون فقال: ﴿أءِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: الآية 28 ومن الآية29] .
وكلما كرر لهم النصح وعرض عليهم البديل الطيب الحلال لجوا في طغيانِهم يعمهون, فجاءهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون، إذ جاء دور العقوبة العاجلة حينما نزل جبريل  وحمل تلك القرى الظالمة وما فيها ومن فيها حتى بلغ بِها عنان السماء ثم قلبها فجعل عاليها سافلها كما وصف الله تعالى ذلك بقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ  مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود:82، 83] .
ونجى الله لوطًا وأهله أجمعين إلا عجوزًا في الغابرين وهي امرأته وكانت امرأة سوء توافق قومها على انحرافهم وتعينهم على شذوذهم وتدلهم على أضياف لوط بأساليب الغدر والمكر والخيانة فكانت بذلك إحدى الخائنتين اللتين سماهما الله في سورة التحريم، وضربَهما مثلاً للكفار حيث قال T: ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ [التحريم:10] .
ولقد توارث هذه الجريمة المنكرة من لا خلاق لهم ممن أتى بعدهم من أهل المجتمعات الجاهلية، وفي هذا العصر اهتمت الدول الغربية بتنظيم عمل قوم لوط بصور علنية ومدروسة، وأباحته فقرة من فقرات القانون الذي تعيش في جحيمه جماهير تلك الدول التي لا دين لها يحميها ولا خلق يردعها عن رذائلها ومخازيها .
والجدير بالعلم أن الباباوات يعلمون عن قضية اللواط المنتشرة في الدول الأوربية والغربية، ويطالعون القرارات التي يصدرها حكام تلك البلدان بإباحة اللواط هناك، ولَم ينبس أحد منهم ببعض كلمة استنكار، بينما نجدهم يحذرون من تعدد الزوجات الذي أباحه الإسلام، بل رغب فيه القادرين عليه بعد أن جعله على خير نظام، كما يحاربون مبدأ الطلاق، ويعتبرونه ضد الإنسانية مهما كانت الظروف والملابسات، وكذبوا في ذلك كله وفتحوا أبواب الزنا واللواط والسحاق على مصاريعها، ليغرقوا البشرية في بحار الرذائل ويزجوا بِها في أودية الهلاك والدمار، ويسلكوا بِها سبل التدني والانحطاط الخلقي والصحي, وبالتالي: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل:25] .
ألا فساءت زعامتهم، وضل سعيهم فحبطت أعمالهم، وإن ماتوا على ذلك وأما عقوبة هذه الجريمة فللعلماء فيها آراء، أرجحها عندي هو ما رآه عامة أصحاب رسول الله ج من أن مرتكب هذه الجريمة الذي يرتضي لنفسه أن ينكح كما تنكح النساء أن يقتل سواء كان بكرًا أم ثيبًا، بدليل أن أبا بكر الصديق  جمع الناس في شأن رجل ينكح كما تنكح النساء فسأل أصحاب رسول الله ج عن ذلك فكان أشدهم يومئذ قولاً علي بن أبي طالب  حيث قال: $هذا ذنب لَم تعص به أمة من الأمم إلا أمة واحدة، صنع الله بِها ما قد علمتم، نرى أن تحرقه بالنار فكتب أبو بكر إلى خالد بن الوليد أن يحرقه بالنار#. أخرجه البيهقي وثبت عن علي أنه رجم من عمل هذا العمل .
ولا يفوتني أن أسجل في نِهاية هذا الحديث عن الشذوذ الجنسي وما ينتج عنه من الأخطار ما جاء في كتاب “القرآن والعلم” قول مؤلفه: أهم الأسباب التي حرم اللواط من أجلها بقاء الجهاز التناسلي عند الرجل وعند المرأة سليمًا، إذ إن لسلامته تأثيرًا كبيرًا في سلامة كل عضو من أعضاء الجسم، فمن المعروف أن الإفرازات التي يفرزها الجهاز التناسلي ترتبط بأوثق الصلات بإفرازات الغدة النخامية، تلك الغدة الصغيرة الحجم العظيمة الشأن والتي في أسفل المخ والتي تتحكم في نشاط أعضاء الجسم وأجهزته المختلفة كالقلب وسائر الأعضاء الأخرى والجهاز الهضمي والجهاز التنفسي والجهاز العصبي .
والجهاز التناسلي في الرجل والمرأة جهاز خال من الجراثيم تمامًا بعكس نِهاية الأمعاء الغليظة، فإن الفضلات التي تخرج منها يتكون معظمها من جراثيم ضارة، جراثيم معروف علميًّا أنَّها هي التي تسبب القيح ولا يحتاط لها الجسم إلا في هذا المكان فحسب بحيث لو وجدت في مكان آخر لأدت إلى أعظم الضرر، فتسربُها إلى الجهاز التناسلي للرجل أو المرأة أو كليهما معًا عن طريق اللواط يفقد هذا الجهاز صفة طهارته من الجراثيم فيصبح مرتعًا لهذه الجراثيم التي تحدث التهابًا وتقيحًا تزاد خطورته كلما ازداد عدد هذه الجراثيم، ويترتب على هذت ضعف الحيوانات التناسلية، وربما أدى ذلك إلى القضاء عليها، وبما أن الجهاز التناسلي والغدة النخامية مرتبطان ارتباطًا وثيقًا، فإنه يترتب عليه التهاب الجهاز التناسلي واضطراب إفرازات الغدة النخامية، فيتأثر باضطرابِها الجسم كله .
هذه الحكم البالغة تحيطنا بسياج يحمينا من الوقوع فريسة لأمراض قد يستعصى علاجها، كما أن هذه الإجازة التي فرضها الله  على الرجال مدة الحيض إنما هي فترة استجمام للرجل أيًّا كانت قوته يكون بعدها أشد رغبة في المباشرة وأكثر إقبالاً عليها. انتهى .
قلت: فسبحان ربي ما أحكمه وأرحمه بعباده أوضح لهم طريق الرشد وحثهم عليها، وأبان لهم طريق الضلالة وحذرهم من الارتكاس فيها لئلا يضلوا في دنياهم ويصيبهم الشقاء في أخراهم .
21- وأما شتم الرجل والديه: فهو نوع عظيم من أنواع العقوق الذي نَهى الله عن قليله وكثيره، فقال: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: من الآية23] .
وقد جاء في صحيح الإمام مسلم والإمام أحمد عن علي  قال: حدثني رسول الله ج بأربع كلمات: $لعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من لعن والديه، ولعن الله من آوى محدثًا, ولعن الله من غير منار الأرض#( ).
وجاء تبيان لعن الوالدين في قوله -عليه الصلاة والسلام-: $إن من الكبائر شتم الرجل والديه. قالوا: يا رسول الله وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه#( ) حديث صحيح .
ومن هنا وجب على كل مسلم ومسلمة أن يصونوا ألسنتهم من إطلاق السب والشتم مع الغير إذ إنَّهما ليسا من صفات أهل الإيمان ولكنهما من صفات أهل الفسوق والعصيان، كما قال ج: $ليس المؤمن بالطعان ولا اللعان ولا الفاحش البذيء#( ).
اللهم إلا ما كان من نوع لعن الفساق والفجار على طريقة القرآن مثل: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: من الآية18] .
ومثل قوله ج: $لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه#( ) فهذا لا شيء فيه كما ترى .
أما إيواء المحدث: ففيه إثم كبير وشر مستطير، ذلك لأن الحدث إما أن يكون بجناية على الغير، وقد حرم الله دم المسلم وعرضه وماله وأمر بنصرته إن كان مظلومًا بدفع الظلم عنه، وإن كان ظالمًا بردعه عن تعاطي الظلم .
وإما أن يكون الحدث ببدعة في دين الله، سواء فيما يتعلق بالعقيدة أو العبادة أو السلوك، فهذا أشد ضررًا على الأمة إذ إنه لابد أن يكون داعية إلى بدعته بقوله وفعله، وحينئذ يضل بِها أممًا كثيرة من الخلق كما عرفت فيما مضى من هذا البحث عن كثير من أهل البدع كالجهمية والمعتزلة والأشعرية والصوفية وغيرها من بدع الضلال، ولخطر البدع فإنه يجب على طلاب العلم في كل زمان ومكان أن يردوا على أصحابِها بالحجج التي تدحض شبههم، وتزهق باطلهم، وتظهر ضلالاتِهم للناس لئلا يغتروا بِهم فيقتنعوا بما يملون عليهم من مخالفات وأباطيل .
أما إيواؤهم والدفاع عنهم وانتحال الأعذار لشخصياتِهم فهو نصر للباطل على الحق، وتعاون على الإثم والعدوان، وتمهيد لطرق الفساد والإفساد ولقد اشتهر عن السلف الصالح هجر أهل البدع، والتحذير من موالاتِهم وعدم الركون إليهم.
فجاء عن أيوب السختياني( ): “ما ازداد صاحب بدعة اجتهادًا إلا ازداد من الله بعدًا”.
وقال سفيان الثوري( ): “من سمع من مبتدع لَم ينفعه الله بما سمع، ومن صافحه فقد نقض الإسلام عروة عروة “.
وقال الفضيل بن عياض( ): “من أحب صاحب بدعة أحبط الله عمله، وأخرج نور الإسلام من قلبه”.
وقال أيضًا: “إذا رأيت مبتدعًا في طريق فخذ في طريق آخر، ولا يرفع لصاحب بدعة إلى الله T عمل، ومن أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام”( ).
وقال رجل للإمام مالك: ﴿الرَّحْمَن عَلَى العَرْشِ اسْتَوى﴾ كيف استوى؟ فقال له: “الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعًا فأمر به أن يخرج”( ).
إلى غير ذلك من المواقف الصريحة الحازمة التي وقفها ويقفها دائمًا السلف أهل الحديث من أهل البدع والانحراف عن خط الاستقامة على الحق وما ذلك إلا لاعتقاد السلف أن كل صاحب بدعة في دين الله يعتبر محاربًا للسنة متبعًا للهوى، معلنًا للضلالة، ويركض مشدوهًا ليقنع الناس ببدعته ويصدهم عن سنن الهدى، ويلهث جاهدًا في الدعايات المزيفة إلى ما أوقعه الشيطان فيه من شر وضلال، والحقيقة أن أصحاب البدع في كل زمان ومكان فتنة لكل مفتون سواء كانوا من العلماء الفجار أم من العباد الجهال الذين حذرنا منهم سلفنا الصالح حيث قال بعضهم: “احذر فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون”.
وقال البعض الآخر: “احذروا صنفين من الناس:
1- صاحب هوى قد فتنه هواه .
2- صاحب دنيا قد أعمته دنياه” .
وما أكثر البدع وأهلها في زماننا هذا والمؤسف أبلغ الأسف وقوعها في العالم الإسلامي الذي نحيت عنه السنن، وأقرت مكانِها البدع بمكفر ومفسق وإن من أقبح البدع وأخطرها ما كان ويكون في العالم الإسلامي من انتشار الأضرحة ذات القباب المزخرفة والعناية الكاملة بِها في المساجد وغيرها، وما يكون حولها من عكوف وطواف من الحاضر من أهلها والباد، وما يكون من نداءات واستغاثات للأولياء بزعمهم بلهفة وحرقة وقناعة تامة أنَّهم يسمعونَهم، ويطلبون لهم قضاء الحاجات ودفع المكروهات، بل ربما خرج الولي من قبره وصافح بعض مقدسيه والملتجئين إليه -هكذا يزعمون-!!! وقد سمعت بعض مروجي هذه البدعة المنكرة والشرك العظيم يستدل على جواز هذا الصنيع الجاهلي بقول الله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾( ) [الزمر: من الآية34] .
يعني أن للأولياء المقبورين في تلك الأضرحة كل ما طلبوا من جلب المصالح ودفع المضار لمن يدعونَهم من دون الله، لعلو منْزلتهم وكمال حياتِهم، وعظيم قداستهم عند الله، كما زعم أولئك الجاهلون، وقد أغرق الناس في بحر هذه الفتنة – الوثنية – الفرق الصوفية على اختلاف طرقهم، وشتى مبادئهم، فالأولياء عندهم يفضلون الأنبياء في الرتب والعلم كما صرح بذلك زعماؤهم الدجالون الذين ضلوا عن سواء السبيل وأصبح معظم الخلائق في العالم الإسلامي ضحية لهم يقودونَهم إلى أبواب جهنم زرافات ووحدانًا .
غير أن الله سبحانه -وله الحمد والمنة- قد رحم هذه المملكة العربية السعودية، وحماها من شر تلك الفرق الصوفية والوثنية المعلنة، وحماها برجال صالحين من قادة هدى وعلماء ربانيين اتفقت كلمتهم جميعًا على نشر كلمة التوحيد الخالدة وبيان عقيدة السلف الصالح، وتحكيم شريعة الله التي أنزلها تطهيرًا للبشرية من رجس الوثنية، ومحاربة للانحرافات وأهلها بسلاح قوي وضاء، مستمد من الوحيين الكريمين: كتاب الله الحق المبين وسنة رسول رب العالمين، وكلما قضت طائفة من طوائف الدعوة إلى الله نحبها تسلمت الراية طائفة أخرى لتقود البشرية في طريق الخير إلى أن تصل بِها إلى بر السلامة والنجاة، مهما كلف الأمر من تضحيات بالنفس والنفيس والغالي والرخيص .
فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وليس معنى هذا أنه لا يوجد في بلدان المسلمين دعاة إلى العقيدة السلفية الحقة، وإخوة علماء ربانيون، بل هم موجودون في كل قطر إسلامي، بل وغير إسلامي، حكمة من الله ورحمة، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد بيان الحق ودعوة الخلق إليه، ولهم تأثير عظيم، ولكنه نسبي ومحدود إذ إن جهادهم الدعوي لَم يحظ بتأييد وتنفيذ من حكومات بلدانِهم وبطاناتِها
-هداهم الله-، بخلاف ما نحن فيه وعليه في هذا البلد الآمن المطمئن من وعي إسلامي، واتفاق كلمة حكامنا وعلمائنا وأفراد مملكتنا السعودية على تحكيم شريعة ربنا، وإحياء سنة نبيه ج، والاعتزاز بتعاليم ديننا في العقيدة والشعائر والمعاملات والأخلاق والسلوك والسياسة والحكم والحرب والسلم.
ولا ندعي الكمال، فالكمال المطلق لله وحده ولا ندعي العصمة لأحد فذلك لمن عصمه الله ونشكر الله على ما هدانا إليه، وثبتنا عليه، ونستلهم منه الرشد في كل ما نأتي ونذر، ونسأله العون على أنفسنا لننصره فيها ونقيم دينه الحق عن رضا وتسليم وقناعة ومحبة واغتباط وتطبيق عملي على مدى هذه الحياة، يرضي الله، ويكون لنا وسيلة نافعة يوم القدوم على الله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة:105] .
وأكتفي بِهذا القدر في موضوع الكبائر التي خصها بالذكر علماء الشريعة -رحمهم الله-، وليعلم القارئ الكريم أن غير ما ذكرت أكثر، له مؤلفات تكاد تستوعبه إجمالاً وتفصيلاً، فليراجع ذلك من شاء والله, الهادي إلى سواء السبيل .

FFFFF
الفصل الرابع
في بيان صغائر الذنوب وما يكفرها من أعمال
وأما الصغائر فهي ما عدا الكبائر، ولعل مصدر هذا التقسيم هو قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيْمًا﴾ [النساء:31] .
والمعنى: أن الله وعد أمة القرآن عند تركهم كبائر الذنوب أن يكفر عنهم صغائرها برحمة منه وفضل، ثم بأسباب كثيرة جعلها الله رحمة بعباده المؤمنين وتوسعة عليهم, فقد جاء في نصوص كثيرة أن الطهارة تكفر الخطايا والذنوب، وأن الإتيان إلى المساجد لأداء الفرائض يكفر الله بِها الذنوب، وأن الجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان والعمرة إلى العمرة، ونوافل العبادات والذكر المطلق والمقيد وغير ذلك كثير، مما جعله الله على لسان سوله ج كفارة لذنوب عباده المؤمنين، إذا اجتنبوا الكبائر .
وأما حكم مرتكب الكبيرة فإما أن تكون شركًا أو دونه، فإن كانت شركًا أو دونه وتاب منها قبل غرغرته ودنو أجله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، كما قال T: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء:17] .
أما إن مات ولَم يتب وكانت شركًا أكبر فإن الله لا يغفر أن يشرك به كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيدًا﴾ [النساء:116] .
وإن كانت دون الشرك بأن كان من عصاة الموحدين فإن مآله إلى الجنة سواء أصلاه الله العذاب بقدر ذنبه أم تجاوز عنه وعفا، فلم يعذبه بل أدخله الجنة ابتداء فهو واسع المغفرة .
وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة في كل زمان ومكان بخلاف ما عليه المعتزلة والخوارج الذين يحكمون على مرتكب الكبيرة بالخلود
في النار، وإن كان من أهل التوحيد( )، وبخلاف ما عليه غلاة المرجئة الذين يدعون أن الإيمان مجرد اعتقاد بالقلب ونطق باللسان، ولا علاقة للعمل به وعلى هذا الأساس قالوا: لا تضر مع الإيمان معصية، كما لا تنفع مع الكفر طاعة، وهو مذهب رديء يصادم نصوص الكتاب والسنة كما علمت من مذهب أهل السنة والجماعة .
وختامًا: فإنه يطيب لي أن أختم هذا الباب بما قال الرب -تبارك وتعالى- في صفوة ملائكته: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ  رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر:7 - 9] .

FFFFF
الخاتمة
لا أستطيع أن أسجل في هذه الخاتمة شيئًا جديدًا، وإنما أحب أن أدون فيها رءوس أقلام لحقائق مهمة تضمنها هذا البحث وركز عليها فيه إيضاحًا وتفصيلاً واستدلالاً وهي:
F الدعوة الإسلامية دعوة عالمية تبناها صفوة الله من خلقه وهم الرسل وأتباعهم عبر تاريخ هذه الحياة منذ بزوغ فجرها إلى أن ختمت الرسالات السماوية بأكرم نبي وخير رسول محمد ج .
F الدعوة الإسلامية فريضة مقدسة، وضرورة شرعية، وواجب عظيم، وجهاد في سبيل الله يقوم بِها مع الأنبياء وبعدهم ورثتهم من حملة العلم النافع والعمل الصالح والجهاد في سبيل الله في كل زمان ومكان وفي كل بادية ومصر وهي فرض كفاية .
F للدعاة إلى الله صفاتُهم الحميدة، وخصائصهم الفريدة التي يمتازون بِها عن غيرهم لعظيم شأن وظيفتهم وضخامة مسئولياتِهم التي حملوها .
F للدعوة إلى الله أعداؤها، إمامهم في العداوة الشيطان، الذي
قال للإنسان: ﴿اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الحشر:16].
F لحزب الله مزايا رفيعة، وسجايا نبيلة، ذكرت في هذا البحث كثيرًا منها بالشرح والتفصيل، فاحرص على استيعاب ذلك ثم احرص على أن تكون من القوم ومعهم علمًا وعقيدة وعملاً وقلبًا وقالبًا، والله ينصرك ويرعاك ويحفظك طول حياتك ويتولاك .
F من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه بعد أن تحدى عصابات الشر والفساد والطغيان، ومنهم من عاش حياته منتصرًا على أئمة الكفر والفسق والعصيان، ومنهم من وقف حياته ونذر نفسه كلها للدعوة إلى الله، والجهاد الدائب في سبيله، يرجو من وراء ذلك نيل الرضا من الرحيم الرحمن، والعيش الهني في رحاب الكريم المنان.
فعليك أيها القارئ الكريم: أن تلزم نفسك بما ألزم القوم به أنفسهم، وتحذو في صالح الأعمال حذوهم، فإنك إن فعلت ذلك فسوف تشاركهم في أنسهم ونعيمهم، وتخلد معهم في مستقرهم ومقيلهم: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾ [الفرقان:24] .
F تدل النصوص الصريحة على أن طائفة من المؤمنين ستظل ثابتة على الحق ظاهرة على غيرها حتى يأتي أمر الله -تبارك وتعالى- وهم كذلك، فحاول بجد واعزم بصدق أن تكون فردًا صالحًا من أفراد تلك الطائفة .
F ستقف أيها القارئ الكريم في خلال هذا البحث على مناقشة مني لبعض العلماء المعاصرين حول ما يسمى بزمالة الأديان وتسامح الإسلام معها فعليك بالتأمل فيما كتبته، ثم بادر بضم صوتك إلى صوت الحق، فالحق أحق أن يتبع، والباطل أحق أن يتقى ويجتنب .
F وصفت الجنة في الكتاب والسنة بما لا مزيد عليه من أوصاف الحسن والبهجة والسرور واللذة والحبور، وذلك تشويقًا للنفوس المطمئنة لترغب دائمًا في الأجر العظيم والملك الكبير في دار الكمال والبقاء والجمال فاسأل ربك أيها المسلم أن لا تحرم خير ما عنده من الفضل والإحسان بشر ما كسبت يداك من التقصير والتفريط والعصيان .
F كما وصفت النار بأوصاف مخيفة في الكتاب والسنة ليأخذ العبد حذره ويتخذ لنفسه الضعيفة وقاية بصالح العمل، لئلا يكون وقودًا لنار جهنم فيكون من الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وذلك هو الخسران المبين .
F فذكر هاذم اللذات ومفرق الجماعات – الموت – عظة بليغة وذكرى نافعة، فأكثر من ذكره، فإنه لا يذكر في قليل إلا كثره، ولا كثير إلا قلَّله ومن ذكر الموت والبلى، فقد استحيا من الله حق الحياء .
F داوم على قراءة حديث البراء بن عازب في عذاب القبر ونعيمه وتأمل ما اشتمل عليه لعلك تعد للسؤال جوابًا وتحسب لتلك الفتنة حسابًا.
F تفكر وأنت على فراش نومك، أو في غمرة دنياك وقوف الناس في عرصات القيامة، وهم حفاة عراة غرل، قد طال بِهم الانتظار، وصهرتُهم الشمس لدنوها من رءوسهم، وألجمهم العرق، ثم خذ العبرة من صورة ذلك المشهد فلعلك تندفع إلى الحرص على فعل أسباب الخلاص والنجاة من هول ذلك اليوم الطويل، والحساب العسير .
F ثم امض في التأمل والتفكر في مشاهد من ورائك معرجًا في مشهد محاسبة الله للخلائق برها وفاجرها، مؤمنها وكافرها، ثم على مشهد القنطرة الذي يتم فيه القصاص بين الخلائق في مظالم كانت بينهم، فإنك إن فعلت ذلك اشتد خوفك فكثر إحسانك وخيرك، وقلت إساءتك وشرك، وعظم استعدادك للخروج من تلك الكروب والشدائد التي ستكون يوم حشرك ونشرك .
F ولعل خائفًا مشفقًا من ذلك يلتمس أسباب المخرج، فأقول له: راجع بتأمل صفحات هذا البحث فلقد وفقني الله – وله الفضل والمنة – لإملاء كثير من أسباب المخرج والنجاة من شدائد يوم القيامة وعظيم أهواله والفوز بجنته، والنيل لرضاه وولايته .
F إن المحافظة على سنن الهدى فيها السعادة في الآخرة والأولى، وإن الانحراف عنها سبب في الهلاك والشقاء والردى، فاستمسك بِها وعض عليها بنواجذك، واستقم عليها بقلبك وجوارحك، وإياك والبدع فما ابتدع أحد في شرع الله إلا مريض قد أعماه شيطانه وهواه، وكان أمره فرطًا .
F إن الناظر في كتاب ربه T، وسنة نبيه ج يجد أن أسباب العذاب الدنيوي والخزي الأخروي والعقوبات العاجلة والآجلة هي المعاصي وإذا كان الأمر كذلك فينبغي للعقلاء أن يسعوا في إسعاد أنفسهم، وفكاكها من النار، وذلك بفعل الطاعات وهجر المعاصي كبائرها وصغارها باطنها وظاهرها.
وهذا آخر ما منَّ الله عليَّ بتدوينه في هذا البحث الذي أرجو من الله أن ينفع به، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم والحمد لله أولاً وآخرًا وباطنًا وظاهرًا .
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ  وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ  وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:180 - 182].

Leave a comment

You must be logged in to post a comment.